لاحق

نصوص

سابق
 
 

 

سرد

إنكسارات

في الركن المنزوي قبالة باب غرفة (العود) اتكأ على جانبه الأيسر وبدت علامات اليتم والأسى تعلو ملامحه، محوّلة قامته وكركرته الصاخبة إلى صمت ساد السواد عليه فراح يراقب حلقة الظلمة تتسع من حوله.

أقبلت امرأة أخرى رسمت النحافة خطوط وجهها التي تأبى أن تتقاطع في خط واحد، نظراتها باتجاه الباب وصوت الكركرة المبحوح، ورغم حلقة السواد حولها ونواحهن إلا أنها عصية الدمع تشعرك وأنت تسمعها أنها صامتة. عالم آخر ترسمه قامتها النحيفة ورجلاها الممتدتان وقد لبست سواد الحناء ـ كان يضرب بها المثل في حب الحنة لها ـ ويداها أيضاً لا تعرف الراحة، قلقة تحاور الجسد، فهي تمتد بطولها أو تفلت منها فتصفق تارة وتنوح أخرى، أو ترتمي بعيداً عن الجسد حيث الأرض لتمزق حالة اليتم المتسربل بها.

ومع ازدياد حلقة السواد يزداد توتر الجسد وإنتقاضته، فيترك جسمها حلقة السواد متجهاً ناحية باب الغرفة، تمسك بنعاله وتنظفه، ثم تعمد إلى رأس (الكدو) وتنادي:

- يا بت محمد علي .... بت محمد علي خذي الراس وندّيه وبكري القدو .... ألحين بيجي ولد عمي .... .

تضج النساء بالبكاء، بينما تتجه بكل ثبات ناحية رأسي المسند على جدار الغرفة:

- عميمه دخلي دار خالش وجيبي البادكير.

تزداد الكركرة في داخلي فأفقد إتزاني، أراني في حضنها أبكي تقبل رأسي وتبعده لتذهب لحلقة السواد التي أخذت فناء بيت (العود) بكامله. تعيد جلستها ذاهلة وتمسك بـ (الكدو) تكركر تطريقتها المعهودة حتى في هذه اللحظة.(..أبو أولادي .. ولد عمي حبيبي .. ويلي على ضيعتي .. مت يا حبيبي ولا أحد حولك .. آه .. شلت موتك بروحي .. ) تدور حولها هالة السواد المبهوتة، تفصل بينهن عجوز، تكركر (الكدو) مصدرة بذلك قهقهة الموت المتحشرجة في أمعائه. موت بطيء تصدّره للمرأة المتكلسة، تمج صوتها الرخيم بتلك الحشرجة، لتزيد من عملية الاحتراق..

(كان عطوفاً .. حنوناً، قولي فيه ..

قولي: لو أن النواعي ترجع الميت ليلي أو نهاري كان نعيت..

قولي فيه: خلا الببيت يا عودي خلا البيت.. )

يشتد الهياج الجماعي، تمتد الأرجل المطلية بالحناء لترسل موسيقى الموت الجنائزي إلى الجسد المتكلس أمامها، عندها تشتد الزعقات وتثير كركرة (الكدو) والمستوقدة الروح الخارجة من البيت الكبير.

في وسط الحشد اللاهث نحو التحشرج المزخرف، يلتفت الجسد المتكلس تجاه الزاوية الضيقة، يلقي نظرة حنو (الكدو) المائل، يصطدم بذاكرة وجهي الغارقة في دائرة الماء. تمعن النظر. الأيدي التي تذرع الهواء بيننا مالت بحركة دائرية إلى المحيط الداخلي لما حولها، باتت تنفتح باتجاه الهواء الدائر حولها لتنغلق على الصدر المفرغ من اللحم.

عيون السواد تشد من أزر هذا الإيقاع .. تضع الأيدي، تشبكهم على الأوجه المبهوتة من تسرب ملامحها في محاولة التخلص من الماء، تستنطق الأيدي الأرجل المطلية لتحدث الصفير، يتبعه صوت النشيج الجماعي.

على الطرف الآخر من لسان الموت الضيق يمتد الزفاف المترنح في أشرعة الآخر المسيطرة في البعد ليقترب تشم كركرة (الكدو) الرتيبة. الجمرة قد أخمدها نفير المقرئ وزعيق.. النشيج الجماعي.

الجلوة تأتي مسترقة السمع للحشرجة الصامتة في الوقت المتأخر من الليل. كان علي أن أقوم برتم  سريع للجلوة :ـ

 (وا تريمبو وا ليومي ..

 أول بدينا بالصلاة على النبي ..

على يالولد ما وجدي عليكم

سبع بيبان مغلوقه عليكم

ولاني حية بسعى واجيكم

ولاني طير واصفق بالجناحين

واتريمبو واليومي )

الأيدي المزخرفة بالحناء المخنوقة تلتقط أطراف الأخضر، لتغطي به العروس.. صوت الجلوة يأتي مخنوقاًً بدائرة الماء، متواتراً في الحدة. الأخضر يكاد يهوى على العروس المتكلسة بخطى وئيدة..

(أيا لعروس يالبتخت مجليه

ومكمله ومعدله العلوية ..)

مراسم الجلوة المسروقة انتهت بسرعة، المشهد النهائي يوحد إبهامي العروسين بماء الورد المنتخب بطاقة الزعفران. تأتيك الزغاريد من صوت (الكدو) المتأخر عن أقرانه السابقين ليشهد الزفاف، صوت ينبعث بأكثر حدة من أصوات الحناء .. انتهت تلك المراسيم في منتصف الليل، وحده بقى الموت المتحشرج يجول في الأرصفة، أملاً في نشيج جماعي منفتح عند الفجر.. وحده يستطيع أن يبقى طوال ساعات الليل المترنحة، إذا تغتسل بمائه الآسن. 

ليلى السيد ـ البحرين 1997

_________________________________________________________

·         الكدو: آلة للتدخين يشبه الشيشة لكنه من الفخار.

·         الجلوة: اهزوجة شعبية تمارس كطقس من طقوس الزفاف وتكون للعروس ليلة الزفاف.

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى