لاحق

رأي

سابق
 
 

 

 

ليلى السيد..

شاعرة تحلم ببحيرة بط، ليس لها مذاق العزلة

حاورها: احمد يحيي

 

لا يهمني الشكل ... أنا فقط أكتب ... 

كنتُ مشروعاً لروائية ... اختطفها الشعر ... 

الشاعر إلهٌ تنازل طوعاً عن قدسيته ... 

مازلت أحاول أن أكتبني ... لم أنجح بعد ...  

حميمية المكان لا يُختلف عليها ...أصدقاء كثيرون ستجدهم يحيطون بك ... فيرنادو بيسوا ... العقاد ... هيجل ... سيد درويش ... أم كلثوم ... ناظم الغزالي ...أمل دنقل ... لا يمكن أن تستشعر الغربة ... الآرائك تفتح لك حضنها و الكتب لا تترك لك مجالاًًًًًًً للقلق ...لا تقلق، أنت في بيتك الحميم ... هذا هو بيت الشاعرة ليلى السيد .

·         الشاعرة ليلى السيد ... دعينا - على غير العادة - أن نبدأ بالخاتمة ... أين وصلت ليلى السيد ؟

وعلى غير ما تتوقع سأقول ما زلت أحاول أن أصل ... رحلة المعرفة عندي لا تنتهي ... و لا متعة تعادل متعة الاستكشاف ... ربما كان الدافع للكتابة هو استكشاف ما وراء الأشياء ... ما وراء المرئي ... المجهول الذي يأخذنا فى طريق طويل نتخيل فى لحظة ما أننا اقتربنا من نهايته، من الحقيقة، و نفاجأ كما فاجئتنى بسؤالك الآن أننا لم نبدأ الرحلة بعد ...

·         إذن الكتابة تعني لك محاولة للوصول للحقيقة ؟

بالفعل هي كذلك ... لا تعجبني أبداً الكتابة بلا قضية ستتحول هكذا إلي حروف متراصة بلا هوية ... أنا أؤمن بالكاتب القضية الذي تصبح الكتابة عنده هما يوميا و ليست ترفيها

·         هل ليلى السيد " كاتب قضية " ؟

تضحك و هى تقول أنت مصر على توريطي ... إلى حد ما ... أحاول، لكنني لست " مؤدلجة " و لا أقبل أبداً و أعتقد أن المبدع من الصعب أن يكون ربما لإن ذلك يتعارض من وجهة نظري مع الحرية التى من المفترض أن يتمتع بها لممارسة فعل الكتابة.

·         أتيحت لكِ فرصة السفر لأكثر من بلد و التقيت أكثر من شاعر ... ما هو الفرق من وجهة نظرك بين مبدعينا و مبدعي الغرب؟

بداية أقول بكل وضوح أن لدينا مبدعين رائعين ربما يفوقون في إبداعهم الكثير من مبدعي الغرب ... لكنهم يتميزون عنا بالكثير من الصفات التى تمنحهم التميز و الانتشار و الثبات ... لعل أهمها النظام ... و حتى إن كانوا هم أنفسهم غير منظمين ... يأتون بمن ينظم لهم ... لن أنسى أبدا حينما قال لي أحدهم : كيف لا يكون هناك مدير أعمال لكِ ... كيف تسوقين كتاباتك ... كيف تنظمين مواعيد الكتابة والندوات و اللقاءات ؟؟؟ ... و لن أنسى أيضا أنني لم أستطع الإجابة عليه ... أيضا كما تحدثنا سابقا ... الكتابة هي قضية بالنسبة لهم ... هم يومي لا يغادرونه أبدا ... أما نحن فأعتقد أنك تعرف الإجابة ربما يكون ذلك لأسباب خارجة عن إرادتنا ... أو ندعي أنها خارجة عن إرادتنا ... لكن النتيجة واحدة ... لا أنسى الحرية أيضا و لا أعني هذه اللفظة التي يدعيها الكثيرون منا ... لكن أعني الحرية الحقيقية وليست تلك الحرية الظاهرية ... هم يعيشون الحرية كما يؤمنون بها و يتمنونها في الحياة و في الكتابة ولا ينفصمون أبدا بين ما يكتبون و ما يعتقدون و ما يعيشون .

·         أشعر أن الحرية تمثل لكِ الكثير ...

لابد أن تمثل هذا الحيز ... الطريق إلى الحقيقة هو الحرية ... كيف تريدني أن أصل إلى كنه الأشياء و حقيقتها و أنت تكبل فكري و تفرض عليّ منهجا في التفكير و تضع مئات المناطق المحظورة في طريقي

·         هل نستطيع من هذا المنطلق اعتبار " قصيدة النثر " التي تكتبينها نوعا من أنواع البحث عن الحرية في الشكل الأدبي ؟

بداية أنا لا أؤمن بالشكل الأدبي ... هو أدب أو لا أدب تلك هي القضية أما الاشتباك بين الأشكال الشعرية المختلفة فلا يعنينى كثيرا أنا فقط أكتب ... و أؤمن أن قضية الشكل الإدبي هي قضية نقدية تالية للإبداع و ليست سابقة له أبداً ... أنا كتبت العامي و الفصيح سواء تفعيلة أو قصيدة نثر و لم أفكر أبداً في شكل ما أكتب قبل الكتابة ...و ليسمه النقاد ما شاءوا ... أما كونها بحث عن الحرية أو لا فأنا أبحث عن الحرية في كل ما كتبت شعبي أو فصحى ... تفعيلة أو قصيدة نثر ...

·         إذن لماذا لم نقرأ لكِ قصيدة نثر بالعامية كما قرأنا لكِ قصيدة نثر فصحى ..؟؟؟

حقيقة لا أدري لكن ربما للنشئة دور في ذلك فمن أهازيج أمي لأغنيات الفولكلور لشعراء تأثرت بهم و أحببتهم كمظفر النواب و عريان السيد خلف ربما ... و ربما لان اللهجة العامية غنية موسيقيا و أكثر طواعية من الفصحي اشتقاقا و نحتا ... لا تنسى أننا نسمع الشعر الشعبي حتى قبل أن نفقه الكلام مع أغنيات الأم و هى تهيئنا للنوم صغارا أو و هى تلاعبنا و حين خرجنا للشارع غنينا مع أطفال الحي أهازيج الأطفال ... نحن شعوب موسيقية لن تجد مناسبة تمر في حياتنا إلا و لها محتواها الموسيقي حتى الموت .... و ربما يؤكد لك ذلك ما قلته أننى أكتب فقط و لا أفكر في الشكل.

·     ربما تأخذنا فكرة الحرية لمنعطف آخر كونك إمرأة ... أولاً ... خليجية ... ثانياً ... عربية ... ثالثاً ... إلى أي حد من وجهة نظرك استطاعت المرأة أولا و الخليجية ثانيا ً و العربية ثالثاً أن تنال حريتها على المستويين الخاص و العام ؟

على المستوى الشخصي أعتقد أننى نلت الكثير من الحرية ... سواء في حياتي الشخصية أو حياتي الأسرية أو حتى حياتي الفكرية ... أما بشكل عام فلا أعتقد عموما أن هناك سقف للحرية الحرية مثل ماء البحر كلما شربت منه ازددت عطشا ... و دائما هناك الكثير من الحرية ننتظرها و نتمناها سواء على مستوى المرأة عامة أو المرأة الخليجية أو المرأة العربية أو المرأة العالمية أو الإنسان بشكل عام .... الحرية هي قضية الإنسان الدائمة التى لا سقف لها أبدا.

·         هل يمكن بهذا التوصيف للحرية أن نعتبر الكتابة نوعاً من ممارسة الحرية ؟

بكل تأكيد الحرية هي الإطار العام لكل فعل إنساني هي الخلفية التى تعطي الفعل الإنساني رونقه ... و الكاتب ال " لا حر " لو جاز لنا التعبير لا ينتج إبداعا إنسانيا يبقي ... فقط الكاتب الحر يستطيع.

·     صدر لكِ ثلاثة دواوين و ديوان مترجم للإنجليزية ...يشترك الثلاثة في أن الإهداء موجه لشخص ما ... الأول لحسن حداد و فريد رمضان و الثاني لأبيكِ و أمك و الثالث لصلاح السيد سعيد .... كيف أثرت فيكِ تقاطعاتكِ مع الآخر ... أين أنت منهم و أين هم منكِ ؟

الآخر هو الحياة لا أتصورها بدونه هو الزوج هو الصديق هو الأهل هو الناس هو القصيدة هو الحياة ... الآخر هو كل شيء ...و أعتقد أننى من أولئك الذين لا يعانون من عقدة الآخر على العكس تماما فأنا أعيش بهم و أكتب بهم و لهم هم الزاد الفكري اليومي باختلافنا و توافقنا ... أن لا أستطيع ان أتخيل الحياة بلا آخر ... ذكرت إهداءاتي ... صدقنى لو كنت أستطيع أن أكتب إهداء لكل الناس في كل مكان لفعلت.

·         حسن حداد ... أول الإهداءات ... ماذا يمثل ؟

(تضحك) كأني أحسست أنك ستعود إلي حسن ... حسن هو الحلم الجميل الذي تحقق

·         فريد رمضان ....؟

الصادق دائماً

·         والديكِ ....؟

المعلم الأول

·         صلاح السيد سعيد....؟

ابتسامة غادرت فجأة

·     أليس غريباً أن يكون ديوان الشعر الشعبي الوحيد الذي صدر لكِ حتى الآن " مليان كفي حبر " هو الأخير ... هل سبقت الفصحي العامية لديكِ ... أم أنه كان مشروعاً مؤجلاً ؟

ليس غريبا أبداً، كما قلت لك أنا لا أؤمن بالأشكال الشعرية، فلا أرى أبداً فرقا بين ديوان فصحى و آخر شعبي، المسألة كلها، حالة تتلبسك فتخرج في الصورة التي تريدها هى، و اللغة التي ترتئيها هي ...و ربما سبقت العامية شفاهة بحكم اللهجة التي نعيشها و ربما تلاحظ صفة الراوية التي التصقت بي و أحبها كثيرا، لكن الفصحي كانت السابقة في الكتابة المدونة و سأبوح لك بسر : انا كنت مشروعاً لروائية اختطفها الشعر و بالفعل عندى عمل روائي لم يكتمل و أعتقد أنه يستحق أن أبذل فيه جهداً لأخرجه إلى النور ...

·     شاركتِ في فعاليات مهرجان الشعر العالمي بكولومبيا 2005 ... أين وجدتِ الشعر العربي وسط هذا الحشد الكبير من مبدعي العالم ؟

كان حاضرا بقوة ... الشعر العربي و الإحساس العربي يحتل موقعا متميزا عالميا ربما تكمن المشكلة في التواصل بين الشعر العربي و الشعر العالمي، لا تستطيع أن تتخيل مدى التجاوب الذي حدث معي و أنا ألقي قصائدي بالعربية و تترجمها إحدي الشاعرات للإسبانية ... كان التجاوب رائعا و الإحساس بالنص لم أتوقعه بالمرة، و أتمنى أن أكرر التجربة مرات عديدة، و علينا نحن أن نعمل على حل مشكلة التواصل ربما أقل القليل هو تبني مشروعاً للترجمة من و إلى العربية ... نحتاج إلى ذلك كثيرا جداً، فالإبداع حدث عالمي لا تحده حدود المكان و لا الزمان، و أي إبداع هو منذ البداية ضمن منظومة واحدة، منظومة الإبداع الإنساني.

·         في احتفالية يوم الشعر العالمي ... ماذا يعني لكِ الشعر و الشاعر ؟

الشعر هو كل شيء ... أنا أرى الشعر في كل شيء، كل شيء يملك شعريته الخاصة جدا فقط من يريد أن يستشعر سوف يجده، الشعر باختصار اسلوب حياة، و ليس مجموعة من الأحرف تتشابك في نسق خاص ، أما الشاعر فهو إله تنازل طوعاً عن قدسيته، ليعيش بين الناس، و يتعايش معهم و يرى في كل شيء هذه الشاعرية، يراها في الألم و السعادة و الحزن و الفرح و الموت و الحياة ... أؤمن جدا بالقول القائل أن الشعراء هم الذين يكتبون التاريخ و أنهم فقط القادرون على صنع الحب والسلام.

·         بعد ثلاثة دواوين بالعربية و ديوان مترجم للإنجليزية .... ما هي مشاريعك المقبلة ؟

مشاريعي -تصمت قليلا - مشاريعي كلها تتلخص في شيء واحد ... أن أكتبنى ... ما زلت أحاول و لم أنجح بعد...كلها محاولات ...

·         الشاعرة ليلى السيد ما رأيك لو ابتعدنا قليلاً عن الأدب و قضاياه ...

تضحك و هي تقول : المشكلة أننا دون أن ندري سنعود إليه من حيث لا ندرى

·     ربما شاع خطأ أن الأدباء لا يستطيعون بناء حياة أسرية مستقرة ... لكن – اللهم لا حسد – أرى في حالتك عكس ذلك كيف استطاعت ليلى السيد أن تجمع بين الحسنيين الكتابة و الأسرة المستقرة ؟

بالطبع أنا ضد هذه المقولة التي تظلم الأدباء كثيراً، ربما تكمن المشكلة في الاختيار، و التوافق في الفكري و الثقافي لدى الطرفين لهذا اعتبر نفسي من المحظوظات فقد استطعت أنا و حسن أن نكون ثنائياً جميلاً متوفقاً فكرياً و ثقافياً و كانت النتيجة التي تراها – الاستقرار الأسري، و أربعة أبناء ابتسامتهم هي الزاد الذي نقتاته في حياتنا معاً، و استطعنا أن نزرع فيهم الحب و الإحساس بالجمال.

·         ليلى السيد المعلمة ... الموظفة ... كيف هي ؟

التدريس عندي ليس وظيفة، هو عشق أعيشه بمنطق الشعر، و أنقله لطالباتي بنفس المنطق، لا أحب الأطر التقليدية فيه، أبتكر طريقتي الخاصة التي أرى أنها أقدر على التوصيل، و التواصل مع الطلبة، لذا لو زرتني بالمدرسة ستجد أن الطلبة يعشقون حصة اللغة العربية معي، فقط لأنني أوصل لهم أن اللغة هي حياتهم التي يعيشونها بكل ما فيها، و بالتالي أصبحوا يحبونها لأنها لم تعد مادة دراسية مفروضة لكن أصبحت حياتهم، و أصبحوا يدركون أنها كائن حي يشاركهم كل المواقف و الأحداث.

·         ليلى السيد ... الحوار معكِ شيق و ذو شجون لكن لا بد من نهاية ... بماذا تحبين أن تختتمي حوارنا ؟

تفكر قليلا ثم تنشد كأنها في غلمة صوفية :

متروس كفي حبر

ماكو لحرفك أثر

كل الحروف إوقعت

بلجن لحرفك أثر

ظليت أحس بالجرح

مكتوب منك أثر

ثاري الجرح بالقلب

حافر تواقيعه

شوق

طبت بالقلب شعلات منه

وكل خوفي تروح الروح منه

لا غصه على روحتها و لا منه

روحي تصير لجياتك هديه.

هنا تودعك ليلى السيد كما استقبلتك ... كأنك لم تكن أبداً طارئا في يومها ... فقط ستشعر أنك تودع صديقا تعرفه منذ سنينٍ رغم أن اللقاء لم يتجاوز ساعات معدودة ... و سيدوم معك عبق الحالة الشعرية التي ترفرف في جنبات بيت من الشعر ... بيت ليلى السيد

أحمد يحيى / موقع الورشة الثقافي في 8 أبريل 2007

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى