لاحق

تجارب

سابق
 
 

 

أنشطة

مؤتمر مناهج اللغة العربية.. آفاق التجديد والتطوير

حوار مع الدكتور شكري المبخوت

حاورته ليلى السيد

 

مقدمة:

طرح الدكتور شكري المبخوت في ورقته الخاصة بالمؤتمر "نحو الجملة ونحو النص مدخلاً إلى بناء منهج اللغة العربية بالمرحلتين الإعدادية والثانوية"، الكثير من التساؤلات والمفاهيم اللسانية المتعلقة بدرس النحو، على سبيل المثال مفهوم نحو الجملة، والمعرفة العلمية والمعرفة التعليمية ثنائية النحو الضمني والنحو الصريح...

ساعياً إلى وضع تصورات حول بناء المنهج الدراسي وفق نظرية نحو الجملة...

أمام كل هذه التساؤلات كان لنا معه هذا الحوار:

·     على الرغم من التطور السريع الذي حدث في مجال الدراسات اللغوية واللسانية إلا أننا كمدرسة عربية مازلنا أسرى النظرية النحوية التقليدية.. كيف يمكننا إعادة المادة النحوية التعليمية على ضوء النظريات والمفاهيم والمدارس الحديثة كالتوزيعية مثلاً ؟

- لابد من تعديل بسيط للسؤال وهو أن جميع المدارس بالعالم هي أسيرة النحو، هذا ثابت من الثوابت التعليمية ولكن وجه المفارقة يكمن أن هناك تطور في المناهج وظهور نماذج ومستويات لسانية متعددة أبرزت ظواهر في اللغة لم تكن من قبل موصوفة وصفاً جيداً.. المشكلة في التالي.. هل يمكن أن نجازف في إطار مدرسي في الإستناد إلى نظرية لسانية حديثة لم تثبت نجاعتها بعد، فالمدرسة محافظة بمعنى أن تقدم ما هو راسخ من حيث الجدوى التعليمية.

بهذا المعنى ماذا وقع في جميع البلدان؟ لا نعرف مدرسة طبقت مناهج لسانية حديثة وإنما أخذت النحو التقليدي مستفادة من تطور النظرية اللسانية..

 المشكلة الثانية أنه ينبغي أن نعيد التساؤل في كثير من المسلمات من بينها أن المدارس في العالم العربي يضعون خطا عازلا بين النحو القديم والنظريات اللسانية الحديثة، يضغون خطا بين البلاغة والأسلوبية فكأن الجديد يهدم القديم . وهو تصور ساذج جداً لأن العلاقة بينهما أشد تعقيداً مما نتوهم فاللسانيات علم حديث لكنه لا يقطع صلته بتاريخ العلم فهي نتيجة لتطور تاريخي داخل العلم الذي يشتغل على الظاهرة اللغوية. بهذا المعنى نتساءل لماذا تتجه المدراس إلى النحو القديم؟ السبب بسيط جداً لأن اللسانيات إذا تطورت في البحث لا يعني أن  ستكون مفيدة مدرسياً ومعالجة اللغة معالجة يدوياً. وإذا كان النموذج اللساني صالح للبحث الأكاديمي فهذا لا يعني صلاحيته للمدرسة..

هناك سبب آخر، هو أن في بيئتنا العربية المدرس يطمئن أكثر إلى الكتاب المرجعي المشترك، ولكنه ليس شيئاً جديداً وإنما نحتاج إلى إعادة قراءته وإعادة تأويله بحسب حاجتنا الإجتماعية والثقافية الراهنة.

·     جميعنا كتربويين وكمعلمين نطمح بنظرية تجمع الظواهر النحوية على صورة مبسطة ومنسجمة مع إمكانات نحو الجملة ونحو النص لوضع استراتيجية أو منهج تعليمي يرقى بأفق ولغة المتعلم.. هل بالإمكان تحقيق ذلك.. وكيف؟

- علينا أن نميز بين المعرفة التي ينتجها العلماء وهو شيء قابل للمراجعة والتطوير ولنا في نماذج تشومسكي خير دليل على هذا. ومجاله عادة الجامعات ومراكز البحث، ولكن الإطار المدرسي ما نحتاج إليه معرفة مدرسية أي في معنى تعليمي وهو ليس متعلق بالنحو فقط، كذلك الحال في الرياضيات والفيزياء فهم يدرسون نظريات معدلة توافق مستويات التعلم والمدرسي، والجانب الثاني هو أن النحو التعليمي ينبني على أسس علمية وينبني على أسس تعليمية في إطار خصائص نقل المواد من مجال علمي إلى تعليمي، فمن العبث أن ندرس ألفية بن مالك أو شذور الذهب فنحن اليوم نعيش عالماً آخر وتصورات للغة أخرى، تثبت فيها بعض المفاهيم أي أن هناك مفاهيم تتجاوز النظريات وهي مفاهيم إجرائية مفيدة جداً، هي التي تعتمدها لإعادة بناء تصورنا للنحو العربين فالتجديد لا يصلح في القاعدة، بل كيف تنظم هذه المادة بحسب احتياجاتنا التعليمية. وقدرات المتعلمين في مختلف المراحل. وكيف نصوغ منها أنموذجاً صالحاً لتحقيق جملة من الأهداف أبرزها أن يكون المتعلم قادراً على استعمال العربية استعمالاً في مختلف المقامات على نحو يحقق أغراضه أي على نحو وظيفي..إلخ.

·         أنت قلت بتغيير المفاهيم، ماذا تعني بهذه المفاهيم؟

- هناك وهم شائع أن النحو العربي نحو مفردات والمهم فيه أن يكون الفاعل مرفوعاً، والمجرور مجروراً، أي العلامة الإعرابية وهذا دليل على جهل بحقيقة اللغة العربية. كيف نستطيع أن نغير هذا التصور؟ حين نعتمد مفهوم المكونات المباشرة.

جاء الولد الجميل أمس.

فـجاء فعل، والولد الجميل باعتباره فاعلاً، وأمس ظرفاً دالاً على الزمان.. ولكن المهم أن (الولد الجميل)قابلة للتقطيع إلى منعوت ونعت.. هذا يعني أن موقع النعت في بنية كل جملة هو موقع لا يمكن أن يكون في المستوى الأول من تحليلها وإنما يظهر دائماً في المستوى الثاني وإذن هذه ليست مفردات لأن المفردة لا تصنع الجملة الذي يصنع الجملة هي المركبات ونحن نعبر عن أغراضنا بالمركبات وليس بالمفردات، فمفهوم المكونات المباشرة مكننا من إزالة وهم لدى الذي اعتمدوا تدريس النحو العربي بطريقة تقليدية لا فكر فيها. والذين أفقروا النظرية النحوية العربية من أفضل ما فيها وهي نظرية العامل النحوي.

يمكننا أيضاً هذا المفهوم من استعادة مفهوم قديم وهو المحل الإعرابي باعتبار الجملة مجموعة من محلات ومواضع حيث نقول فعل، فاعل، مفعول به أول، مفعول به ثاني.. هذا الشكل المجرد الذي يملأ بوحدات معجمية هو سلسلة من المواضع الإعرابية أو المحلات الإعرابية..

فترين أننا باعتماد مفاهيم حديثة نعيد البناء ونستعيد بالخصوص جوانب النظرية النحوية العربية، وهي الجوانب التي أفسدها ما يسمى بتيسير النحو، فقد كان كارثة على النحو العربي سواء في التصورات العلمية أو في التصورات التعليمية.

·     نحن بحاجة إلى توسيع مجال الدرس النحوي وتفعيله في مختلف فروع اللغة. ألا يشكل هذا الأمر خطورة على النصوص والخطابات حين يخضعها لمعايير وأشكال صورية ثابتة أو ربما يجردها من سياقها التواصلي؟

- أولاً لابد من الإنتباه لأمر، هو أننا لا نجد نظرية تخبرنا كيف ندرس النص دون أن نتعسف عليه. والنص من خصائصه أنه مستعصى على التهشم ثم أننا حتى إذا تعسفنا على النص فإننا لا نقتل النص لأن هناك قاريء آخر قد يأتي ويضيف أشياء يجدد للنص روحه ولكن في المدرسة، حينما نعتمد نحو النص فإننا نحاول أن ننظر لمكونات النظام الذي به صار النص نصاً. فنحن لا نسقط مفاهيمنا اسقاطاً ساذجاً ولكننا نسقط تصوراتنا عن النظام الذي قد يكون وراء تكون هذا النص على هذه الصورة أو تلك. هذا عامة، أما تحديداً فإن شرح النص في المدرسة ليس القصد منه أن نحدد الأدبية لأننا لا نكون نقاداً وإلا أصبح كل طلاب الثانوية نقاداً، ولما شكى الأدباء من غياب النقد !!،وإنما ندرس الطالب على التفكير الجمالي المنطقي، أي تعليل الجمال وهذا شيء قديم عند الجرجاني.. هناك غايات أخرى لشرح النص في المدرسة، جانب جمالي وأيضاً تنمية قدرات المتعلم على التفكير المنظم.

·         ما أهمية الأخذ بمفهوم العمل اللغوي في الربط بين مختلف أشكال الخطاب ونحو الجملة؟

- هذه النظرية تمثل اللحظة الحاسمة في اكتشاف الثقافة الغربية لمفهوم الإنشاء الذي يقابل الخبر في بلاغتنا، وإذن سيطرة المفاهيم الإرسطية على الثقافة الغربية في دراسة اللغة جعلهم ينتظرون إلى منتصف القرن الماضي ليكتشفوا الإنشاء ولكن حين اكتشفوه قدموا مفاهيما داخله، وهذا المفهوم يقول ببساطة أن كل ما نتلفظ به نحقق به أعمالاً ولكن خاصية هذه الأعمال أنها جزء من النشاط اللغوي للمتكلم وأن للمتكلم أعمال هي أن يثبت أن ينفي أن يستفهم أن يتعجب أن يعترض...إلخ. أي أصبحت أقوالنا قابلة للحصر من حيث دلالتها الكلية فهي ليست أشكالاً جوفاء، حيث نقول هل ضرب زيد عمراً؟ أفعل الفاعل هذا؟ فهذه ليست أشكالا ساذجة مجردة، وإنما يعتبرون أنها

تحقق أعمالاً لغوية، ودليلي على هذا

 أولا: أن تعريف العربي للجملة، هي ما يحسن السكوت عليه أي هي تمام العمل اللغوي، وبالتالي المفهوم كان حاضراً في النحو العربي هو نحو ينطلق من المعنى، فقولك الإعراب هو أن تعرب عن ما في النفس باللفظ.

ثانياً:مانجده في تلك الأبواب من كتب البلاغة حيث الإنشاء والخبر وأساس هذا التقسيم التمييز بين صنفيين كبيرين من الأعمال اللغوية، أعمال قريبة مما أسماها أو ستين بالأعمال الوصفية أي ما نصف بها الكون، فنقول موجود أو غير موجود، بمعنى الإثبات والنفي وأعمال أخرى لا نصف بها الحدث بل ننشأ بهما الكون مثل الإستفهام والنهي والأمر والنداء والتعجب...

إنطلاقاً منها أن نطور علمياً وليس تعليمياً فقط بنظرية الجملة دراستنا للإنتاج الشفوي والكتابي ودراستنا للنصوص فقد ثبت بالدراسات العلمية أن الإنسان لا يتبادل المعلومات كما نتوهم، هو يتبادل أعمالاً لغوية وأكثر أحاديثنا اليومية ليس فيها جديد ودائماً هي تبادل لأعمال اللغوية، ولكن لا يعني أن اللغة لا تنقل الأفكار ولكن بطريقة خاصة.

·         أمانة، هل هناك سلبيات نتجت عن تدريس نحو الجملة أو مآخذ على واضع المنهج التعليمي بتطبيق نظرية نحو الجملة؟

- تعرفين أنه لا يوجد شيء إيجابي مطلقاً، ولا توجد ممارسة تعليمية بدون مشاكل، ولا يوجد تصور نظري مهما كان جماله وأناقته لا يتعثر في الطريق، فهذه التصورات النظرية ستترجم إلى منهج، وهذا المنهج سيترجم إلى كتاب مدرسي، وهذا الكتاب سيترجم إلى درس في الصف وهذا بدوره سيترجم إلى ما عند التلميذ من تصورات، أي هناك مصاف في كل مرحلة من هذه المراحل تنتقي أشياء وتنفي أشياء وقد تضيف أشياء لا تتناسب، علينا أن نتحمل أن نتخذ رغم ذلك الحيطة لكي نقع في أقل ما يمكن من الأخطاء.

نحن واعين أن العملية التعليمية معقدة جداً، ولا يمكننا أن نتصور معلم ومتعلم من أهل اليسار ستكون يدرجة منطقة أخرى ربما يكون فيها التلاميذ لديهم مشاكل إجتماعية أو عائلية، هذه الضريبة التي ندفعها دائماً في المدرسة ولا يعني أننا إذا طبقنا هذه النظرية سنخرج عباقرة في اللغة العربية. ينبغي أن يكون الأمر واضحاً ولكن هذه الطريقة تمثل أفضل ما يمكن أن نعتمده من أسس علمية وتعليمية. أما البقية إذا ظهرت مشاكل فينبغي أن تعالج في الحين مع العلم أن المبدأ الأساسي في كل البرامج أن تراجع كل خمس سنوات. دائماً هناك امكانية تدارك.

·         أخيراً، هل هناك سؤال غفل عن طرحه وينير لنا هذه النظرية أكثر..؟

- كلا، بل كانت أسئلة من العيار الثقيل.. وأشكرك على ذلك.

ليلى السيد

20 أبريل 2004

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى