لاحق

تجارب

سابق
 
 

 

دراسات

بنية الخطاب السردي عند جبران خليل جبران

"عرش الموت" كنموذج

 

المقدمة

هذا النص – أمام عرش الموت – هو فصل مقتبس من رواية (الأجنحة المتكسرة) لجبران خليل جبران، الذي يعده النقاد من رواد ممثلي الإتجاه الرومانسي في القصة العربية في مطلع القرن العشرين بل يعبر عنه د. نعيم اليافي (أنه يمثل رومانسية التمرد على الواقع الذي كان يحياه الشعب في الجبل)(1)، فجبران أديب لبناني ولد في بشرى، سنة 1883 من أب يعمل في عد الأغنام، وأم قوية العزيمة والشخصية تدعى (حنا رحمة) كان لها أثرها القوي في حياة جبران على مدى مراحلها المختلفة، وقد هاجر مع أمه إلى بوسطن ثم رجع إلى بيروت ليدرس اللغة العربية وآدابها عام 1898، وقد امتدت صداقته بأستاذه سليم الظاهر، وبهذه العلاقة كتب لجبران أن يتذوق طعم نكهة الحب الأول مع حلا الظاهر والتي أسست بعد ذلك قصة جبران هذه.

وكان لقسوة الحزن موعد مع أديبنا، فقد جاء موت أخته الذي أعاده وهو مجروح القلب لفقده حبه الأول وارتطامه بصخرة واقع التخلف في لبنان- إلى بوسطن ويمتد الحزن إلى أمه وأخوه، ومع علاقته بـ (ماري هاسكل) استطاع أن يتصل بأمين الريحاني في نيويورك وهناك في سنة 1912 صدرت له (الأجنحة المتكسرة) وقبلها كانت كتبه (الموسيقى) و(عرائس المروج)، ثم (الأرواح المتمردة)، وتوالت كتاباته بعد ذلك والتي توجه بها جبران ناحية الكتابة باللغة الإنجليزية منذ عام 1918، بعد ذلك بعامين أسس الرابطة القلمية مع مجموعة من أدباء عصره مثل نعيمة وأبي ماضي والريحاني وعريضه، وقد توالت أعماله الأخرى بعد ذلك حتى كان نيسان 1931 حيث أهلك المرض جسد الأديب المتمرد وفارق الحياة ودفن في قريته بشرى.(2)

وتمثل (الأجنحة المتكسرة) جانباً من جوانب جبران الإبداعية والذاتية في آن معا، وفيها يتبلور الاتجاه القصصي لدى جبران وكذلك أبرز اتجاهاته وأفكاره، وهذا ما نراه بشده واضحاً من خلال فصل (أمام عرش الموت).

وبالتالي ستنحصر هذه الدراسة حول بنية الخطاب السردي في هذا الفصل، والتي تعرف على أنها (الكيفية التي تروى بها القصة عن طريق هذه القناة نفسها وما تخضع له من مؤثرات، بعضها متعلق بالراوي والمروي له، والبعض الآخر متعلق بالقصة ذاتها).(3)

ووفق هذا التعريف سوف تنقسم الدراسة إلى قسمين: 

أوّلاً: الشكل الروائي

1-        الشخصيات.

2-        الزمان.

3-        المكان.

4-        البنية اللغوية والدلالية داخل السرد.

5-        إشكالية الشكل الروائي عند جبران. 

ثانياً: المضمون

1-        بنية الحدث.

2-        انعكاس شخصية جبران المؤلف على الفعل الروائي من خلال:

-          بنية قضية المرأة الشامية/ العربية.

-          مثالية النظرة الجبرانية للحب.

-          موقفه من الدين.

-          وأخيراً تتعرض الخاتمة لتمثلات الموت الجبراني في القصة. 

أولاً: الشكل الروائي

1 - الشخصيات 

تمثلت بنية الشخصية الجبرانية داخل رواية (الأجنحة المتكسرة) من خلال عرض نموذجين مختلفين تندرج تحت بنيتها الشخصية الروائية عند جبران؛ إذ تنقسم إلى:

أ -  الشخصية السلطوية وتتمثل في:

أ-1 المطران (بولس غالب)، إذ يمثل سلطة دينية مستغلة لمكانتها الروحية عند الناس ويصف لنا هذا التناقض في تركيبة الشخصية فهي تمثل الاتجاه الروحي لكنها تحوله إلى عملية متاجرة زهيدة بآمال الفقراء والبسطاء في التقرب إلى الله فيسلب بذلك أموالهم، ويجعلها في بد ابن أخيه، فارضاً بذلك سلطته الزمنية، (كان المطران يبلغ أمانيه مستتراً بأثوابه البنفسجية ويشبع مطامعه محتمياً بالصليب الذهبي المعلق على صدره...)(4) وبذلك يعبر جبران عن مرحلة التسلط الديني والزمني في عصره، يكشف ذلك انشغال المطران بأمور السياسة (...) ويصرف أيام الأسبوع مشتغلاً بسياسة البلاد).(5) وسوف نتعرض لرؤية جبران هذه من خلال موقفه من العالم الكهنوتي والزمني، لكن ذلك لا يمنع من القول بأن حدة هذا الموقف في نفس جبران قيدته في إطلاق النعوت القريبة من السبّ وأغفلته عن بناء سردي لهذه الشخصية التي كانت تمثل غناء في السرد والأحداث؛ لكونها من الشخصيات المحورية والتي تتمفصل حولها بعض التحولات الجوهرية داخل الحدث الدرامي للقصة.

أ-2 منصور بك غالب، ابن أخ المطران وهو زوج سلمى، شاب ثري وزوج مستهتر، يسكن منطقة في بيروت امتازت بغناء أصحابها (في منزل فخم قائم على شاطئ البحر في رأس بيروت حيث يقطن وجهاء القوم والأغنياء).(6) وهو يشبه عمه في الخصال من حب الجاه والنفوذ السياسي والقمع فيما عند غيره فهو من (أولئك الرجال الذين يطمعون دائماً إلى ما ليس لهم....).(7) وكان خالياً من المشاعر الإنسانية، فقد سعى وعمه لسلب أموال والد سلمى بزواجه منها وبعدها (نسيه وهجره بل صار يطلب حتفه توصلاً إلى ما بقى من ثروته).(8)

ومن خلال المقارنة التي أجراها جبران بين شخصية العم وابن أخيه تتضح الصورة أكثر ولعل هذه المقارنة كانت أكثر فائدة لبروز شخصية منصور. 

ب - الشخصيات الأخرى

ب-1 سلمى كرامة، فتاة جميلة تعيش في مدينة بيروت وترمز إلى المرأة الشرقية آنذاك، إذ بدأت تعرف جزءاً من المدنية والرقي والتعليم، كما أنها الابنة الوحيدة لرجل ثري، وهي محبة لوالدها طائعة له فقد نشأت يتيمة الأم وهو المربي لها والصديق الذي يقف إلى جانبها، ذهبت ضحية أطماع المطران وابن أخيه فباتت امرأة تعيسة (وذات قلب لم يمهله القدر فرحة الحب الطاهر حتى صفعه بأحزانه).(9) وأمام كل ذلك لم يبق لها إلا مجاراة هذا القدر وصولاً للخلاص الروحي. وبعيداً عن بنية الوصف وأشكاله إلا أن جبران جعل وصفه لشخصية سلمى مطولاً من أجل إبراز هذه الشخصية الجوهرية في روايته، إلا أن ذلك لا يجعلها تخلو من عدم التوازن في وصفه لها، هي تارة ضعيفة مستسلمة، وأحياناً مثقفة وواعية وصاحبة رؤية في الحب والحياة. الأمر الذي يحيلنا إلى سلطة الراوي أو السارد كما سنرى بعد قليل وإلى انعكاس شخصية جبران فيها. 

ب-2  فارس كرامة، أب سلمى، رقيق وذو قلب يتسم بالمحبة الوافرة لابنته الوحيدة وهو رغم غنائه وثروته إلا أنه لطيبته يصفه الكاتب من الناس (القليلين الذين يجيئون هذا العالم ويغادرونه قبل أن يلامسوا بالأذى نفس مخلوق).(10) وبالتالي فهي مثالية تتسم بالسلبية أحياناً، إذ ترك زوج ابنته يتحكم في مصيره ومصير ابنته، كما وصفه الكاتب لحظة مواته قانعاً بما حصل عليه مدة حياته، راضياً بتجربة الموت.

والملاحظ أن صورة الأب هنا كما يراها النقاد قد أخذت بعض التعديل في فكر جبران، فهو رغم ضعفه وقلة حيلته أمام المطران الأمر الذي جعل سلمى تدفع حياتها ثمناً لهذا الضغط، إلا أنه من جانب آخر قد أبعده عن صوره الحانقة للأب، والتي عادة ما يرسمها جبران في كتاباته، فهو عطوف وحنون بل صديق لابنته، وكذلك كان يحنو على الشاب ويطلب منه القدوم له ويعتبره ابنه، وربما يرجع ذلك إلى رغبة جبران الحقيقية لهذا النموذج الذي يعد مقابلاً للصورة السلبية للأب الواقعي.

ب-3 أم سلمى، مجرد امرأة في مخيلة سلمى، ثم تحولت إلى صورة أهداها فارس إلى ابنته، ليبين لنا كيف كانت زوجته حنونة وقوية، وجميلة وحكيمة، وسلمى تشبهها في ذلك.

ب-4 البطل المحب/ الراوي، شاب محب لسلمى وكان والده صديقاً لوالدها ورغم زواجها إلا أنه بقى على حبه مخلصاً وعفيفاً، ومساعداً لها في أبرز مراحل حياتها التأزمية، فكان شاهد للحدث، وراوياً له ومشاركاً فيه.

وللمعرفة التاريخية المسبقة بواقعية الحدث وتماثله مع حياة الكاتب، يصبح جبران ككاتب متماهٍ في شخصية المحب/ الراوي. وعلى هذه المعرفة يكون إطار التفسير الشكلي لبنية السردية داخل القصة. 

2 - المكان في الرواية

(إننا ننسى غالباً أن هناك تأثيراً متبادلاً بين الشخصية والمكان الذي تقيم فيه، وأن الفضاء الروائي يمكنه أن يكشف لنا عن الحياة اللاشعورية التي تعيشها الشخصية، وأن لا شيء في البيت يمكنه أن يكون ذا دلالة من دون ربطه بالإنسان الذي يعيش فيه)(11) ولا يتم هذا التأثير بين الشخصية والمكان فقط بوصف جزئيات المكان العينية فقط، بل هو يمثل بفضائيته الواسعة بعضاً من جوانب الشخصية، وانسجامها واتساقها مع ذاتية المكان وهذا ما لا يمكن أن يحققه المظهر الداخلي للمكان فقط. فهو يمثل لدى النقاد المعاصرين نقطةً ينقطع معها الزمن الروائي ويتوقف. لارتباطها بعملية الوصف السردي داخل القصة. على أن ذلك لا ينفي ما لهذا الوصف الجزئي من أهمية في إبراز العينة البشرية التي ستسكن فيه ومدى اهتمامها بهذه الجزئيات، بمعنى أن أهميته فقط إذا أعطيت له وظيفة دلالية وإيقاعية في سردية الحدث ونموه.

ولقد برز المكان في هذا الفصل ضمن صورتين هما:

بيت منصور غالب(زوج سلمى) وقد وصفه (...فسكناً معاً في منزل فخم قائم على شاطئ في رأس بيروت حيث يقطن وجهاء القوم والأغنياء). هذا الوصف على عمومه يوحي الإطلاق للمخيلة بنمط الثراء الذي كان للزوج، وببعده عن الناس فهو في منطقة لا يسكنها الناس البسطاء، وبالتالي فهي للصفوة من الإقطاعيين. ولك أن تتمثل شكل الشاطئ الذي سكانه من الأغنياء، كما أن وصفه للبيت بالفخامة يرجعنا إلى وصفه السابق بأن الصبايا يصبحن في بيت أزواجهن كالسلع أو نظير الأمتعته العتيقة.

ولعلّ ذلك ما يؤكد وصفه لحياة العروس وكيف أصبحت في هذا المكان الفخم (...هي مثل آثار الأقدام على رمال الشاطئ لا تلبث أن تمحوها الأمواج) وإذن هي رمال ناعمة هادئة لا تستطيع أن تترك بصمة خلفها وبالتالي هو الهدوء والموت، أي أن هذا المكان مؤداه الموت حيث لا حياة حقيقية بينه وبين أفراده.

وأمام وصفه لبيت الزوج يقابله بوصف إلى بيت سلمى (فارس كرامة) بعد فراق سلمى له (بقى فارس كرامة وحده في ذلك البيت المنفرد بين الحدائق والبساتين)، ونحن نعرف مدى ثراء الأب، ورغم أنه يعاني الفرقة لكن موقع البيت يمثل الحنو والبهجة وحميمية العلاقة بين الراوي/ المحب وبين بيت فارس. تلك الحميمية التي نلاحظ وهجها يشع أكبر حينما يعود الراوي/ المحب ليصف لحظة ذهابه إلى بيت فارس لعيادته في مرضه (وذهبت لعيادته ماشياً على ممر منفرد بين أشجار الزيتون المتلمعة أوراقها الرصاصية بقطرات المطر)، فالحياة تبث في البيت من خلال  موقعه أولاً، ومن خلال سكنّه بالذكريات الجميلة التي كان الحبيبان بطلها.

وعلى عكس عادة الكتاب آنذاك في الإطالة للوصف كان يتصف الكاتب باختزاله لسرد الجزئيات المكانية، حتى أنه لا يقف وهو يصف داخل البيت غرفة فارس إلا حينما وصف سلمى أمام فراش أبيها، وفكرة للمساند وموضع صورة الأم وكذلك وصفه لغرفة سلمى.

وهنا نرى أنه يغيب المكان ليعطي الجوهرية والبطولة للشخصية ذاتها ولتبقى أمامنا فقط اللحظة الراهنة، لحظة الموت والنزاع وتلك العلاقة بين سلمى وأبيها، ولهذا أغفل صورة المكان ليقع في حدس الصورة الشعرية حيث التركيز والاختزال على الأهم برأي الشاعر. 

3- الزمن الجبراني 

تتصدر بديهيات التقسيم الزمني لدى النقاد إلى:

الزمن الخارجي: وهو زمن القصة ويفترض فيه التتابع، والزمن الداخلي: (وهو زمن السرد وهذا يصح له عدم التتابع والبدء بالنقطة الزمنية التي يريدها أو يراها الكاتب).(12) ولقد حمل الزمن هنا صفة العموم قاطعاً بذلك ما سبقه من سرد في بنية الحكاية والحدث وبين ما يتقدم، فيبدأ بـ (أيامنا)، ثم يضع المقابلة بين الحاضر بـ (امرأة المدنية الحاضرة)، والأمس بـ(المرأة حينها)، مبرزاً ما تحتويه مفردة (أيامنا) من تداخل زمني يستدعي معها الماضي. وبالتالي فسوف نلمح حضور الماضي في الحاضر كحركة داخلية للنص بشكل عام وللوصف الذي استغرق ما يقارب الثلاث صفحات الأولى اللهم إلا من وميض بسيط للحدث وذلك حينما يصف زواج سلمى من منصور وسكنهما يرجع ويعبِّر عن حركة الزمن بمبدأ القطع الزمني، وقد استخدمه الكاتب ليتجاوز الزمن الحقيقي للقصة ويختصره (ومضت أيام العرس وانقضت ليالي الأفراح.....)، وقوله (ذهب الربيع وتلاه الصيف وحاء الخريف) فهذه أزمنة مجردة تذهب تجاه حركة المطلق التي مؤداها السكون أي الموت. مجسداً العنوان وبنية الحدث، ومستعيضاً بها عن سرد القص أو الحدث والتي ستلاحظ الخلل التركيبي فيها بعد ذلك، فالوصف السابق لمرور أيام الحياة إنما أراد أن يعبِّر عن ملازمة الحب له ومصاحبة حب سلمى لجميع أطوار حياته.

وبالتالي يتحول الزمن لدى الكاتب إلى زمن رمزي وليس آنياً يعبِّر عن فترة بذاتها خاصة تلك التحولات الزمنية المتعلقة بلحظة الموت داخل هذا الفصل. إذ تحول من لحظة زمنية تعبر عن نهاية مراحل الحياة إلى عالم الكينونة الأبدي ذلك ضمن تعبير فارس لها بـ(ها قد ذهب الليل ..... وجاء الصباح....الخ).

كذلك نرى هذه الرمزية في تحول زمن المحب من حالة الضياع (تنتابني الأيام والليالي مثلما تنتاب النسور والعقبان لحمان الفريسة) إلى هواية ولحظة ممارسة القراءة والمعرفة فتكاد تستقر اللحظة الزمنية لتتحول إلى لحظة مكانية بحتة. 

4- البنية الدلالية

لقد سلمت الكلمات لجبران زمامها بشكل سلس، فأخذ ينزاح بها عن دلالتها المعهودة قاموسياً ليولد من خلالها نبضه الشعري، والفكري من خلال صوره وتعابيره اللغوية الأخرى.

وما من شك أن الكثير من النقاد أدركوا ما للغة جبران من حضور دلالي مميز، والتي تمتطي حقولاً دلالية مختلفة اقتبستها من الطبيعة أو الحقول المادية، ليوصف بها عالماً روحياً، أو ينزع بها إلى الاتجاه العاطفي الجواني للنفس البشرية. يتجلى ذلك واضحاً في صوره واستعاراته وبالتالي يستخدم النقيض المرفوض لديه وهو العالم المادي ليعبِّر به عن مثاليته ونزعته الروحية، فنراه يعبِّر عن الواقع الاجتماعي الذي يعوق رقي المرأة وتطورها بمكامن اللصوص وكهوف الذئاب ليبرز تربص هذا الواقع الطاغي بالمرأة. كما يصفها بـ(نظير زهرة اختطفها تيار النهر) وأيضاً وصفه لبهرجة الأعراس حيث تمثل خدعة الحياة لديه.

كما يتجلى في مقارنته بين الشعوب الضعيفة ومستغليها بالذئاب والقطعان، في وصفه للمرأة بالشعاع، والأمة بالسراج، والنفس الكئيبة بالغزال الجريح، ثم للصبية بالزنبقة. أضف إلى ذلك وصفه الممتد لمعنى الأمومة في (كل شيء في الطبيعة يرمز ويتكلم عن الأمومة، فالشمس هي أم هذه الأرض (...) وأم كل شيء في الكيان هي الروح الكلية).

لقد استطاع جبران أن يجعل عوالم الصور الحسية المادية مرادفة لنزعته العاطفية والوجدانية. كذلك اقتبس جبران أضف إلى ذلك أخذ صوره من المفردات الدينية, وخاصة تلك التي تجسِّد لحظة التجلي/ الموت بكل معطياته داخل القصة، على سبيل المثال لا الحصر (العناء البطيء/ الارتقاء الروحي/ ضعف الجسد بقوة النفس/ كآبة عمياء/ أنة الحنين أصبحت صلاة عميقة/ الطمأنينة/ السكينة/ العبادة الخرساء/ النفوس المعوجة/ ظلمة القبر/ خمرة الآلهة/ أشباح الليل/ أرواح الفضاء/ الجماجم المطروحة/ الأبدية/ راحة القبر/ روحي إلى ظل الله/ الكليات الأزلية.

كما أن وصفه لعلامات الموت على وجه فارس يعطي أصدق مثالاً على تأثر جبران الديني واستفادته من هذا المعجم الدلالي الذي نراه يتوحد أكثر مع الصورة الاستعارية، التي كثرت في هذا الفصل إلى حد يتجاوز المائة بين استعارة مفردة بسيطة، واستعارة مركبة ممتدة تحمل نبض جبران العاطفي، فالاستعارة كما يراها الداية (يأتلف في تشكيلها أفقان: الأفق النفسي وحيوية التجربة الشعورية والآخر: الحركة اللغوية الدلالية بتفاعل السياق وتركيب الجملة).(13)

نرى ذلك جلياً في الاستعارات التالية: الجبل القابض بكفيه/ يمر الدهر/ يسحقها بأقدامه/ تغمر حياة الشعوب/ أحلام تتصاعد/ أضلّنا الدهر/ يجمعنا الشتاء أمام عرش الموت/ ابتلعت المصات/ نرى الجماجم المطروحة/ أسمعتنا أشباح الليل/ احتضنها الموت/ شبعت من السنين/ أجنحة الموت الناعمة/ دعي روحي تستيقظ. هذا بالإضافة إلى الصور الاستعارية الممتدة حينما يصف معنى الأمومة أو معنى الموت.

وهذه الصور تتزامن في أطر الصور الأخرى من التشبيهات والكنايات، والتي يكاد يتسم بها أدب جبران، فالصورة التشبيهية تسود بكثرة داخل هذا الفصل متشابكة مع الصور الأخرى: (ثلاثة جمعتهم يد القضاء ثم قبضت عليهم بشدة حتى سحقتهم؛ شيخ يمثل بيتاً قديماً هدمه الطوفان، وصبية تحاكي زنبقة قطع عنقها حدّ المنجل، وفتى يشابه غرسه ضعيفة لوت قامتها الثلوج، وجميعنا مثل ألعوبة بين أصابع الدهر).

وهو في اختياره للتشبيه الواضح الأركان واستخدامه لها، يثبت غرض الوصف المباشر والصريح إلى أفكاره وفلسفته الجبرانية، خاصة تلك التي تهدف أن تبرز موقفاً أخلاقياً أو اجتماعيا لديه؛ بينما يعمد إلى الكناية في: كهوف الذئاب/ أجنحة متكسرة/ أوراق الخريف/ الطوفان/ الثلوج...الخ. حينما تعلو نفسه الشاعرة على فلسفته فينحو إلى العمق في المعنى وبث روح الرمزية للقصة، مما يحيلنا إلى القول بالاهتمام الجبراني للشكل الشعري لديه، بينما كان اهتمامه مغيباً تجاه الشكل القصصي وتقنياته.

ولا تقف البنية الدلالية الجبرانية عند الصورة ومكوناتها، بل تتعداها إلى ذلك الخصب الدلالي المتفتق من بنية المطابقة بين الجمل والكلمات، محدثاً تلك المفارقة بين الكلمات، وأثراً موسيقياً خلال ذلك ومن أمثلة ذلك قوله:

مضحكة/ مبكية

خادمة سعيدة/ سيدة تعيسة

كانت بالأمس عمياء/ فأصبحت مبصرة

نور النهار/ ظلمة الليل

جميلة/ قبيحة

ضجة/ سكينة

الحب/ الموت

الأيام/ الليالي

فتى/ كهلاً

وقد استخدمت لبيان رؤية فلسفية لدى جبران: الأولى حول المرأة وقضيتها، والثانية حول  فلسفة الموت.

كما قام بعرض الأساليب الترادفية مثل: الصبر=التجلد، اليأس=الضغوط/ القيم=الألم/ السعيد=المغتبط، مما يوحي بالتنوع والخصوبة اللغوية لديه والتي عززتها التجربة والفلسفة الجبرانية. 

5- إشكالية الشكل الروائي عند جبران

تبرز هذه الإشكالية وتطرح لدى الكثير من النقاد والدارسين لتجربة جبران بشكل خاص، والفنون النثرية في الآداب المهجري بشكل عام.

وقد عدَّت كتابات جبران القصصية ضمن نسق القصص الرومانسية التي (لا تخفي دلالات كتابها وإنما تبرزها وتكشفها كشفاً جزئياً أو كلياً).(14) مما يجعلها تسعى لوصف قضايا ذاتية أكثر من سعيها لتحقيق لفنية السرد، لتقع حينها بين المقالة الذاتية وما تتصف به حرية في الاسترسال، بين القصة بالإطار الفني والقصصي لها، بل إنها تصبح القصة شكلاً يسرد من خلاله آرائه ونظرته الفلسفية فقط وهذا ما يؤكده د. نعيم اليافي في كتابه، ونازك سابايار في مقدمتها للرواية، وميخائيل نعيمة(15) في مقدمته: (كان فن القصة في الأوج عند الفرنجة وجنينا عندنا أيام انبرى له جبران. ولكن الحياة ما أعدته لذلك الفن فلم يبدع فيه ولم يحلق، وأعدته لفنون أخرى فأبدع فيها وحلق، فقد كانت تسيطر عليه طبيعتان متفوقتان: طبيعة الفنان الوجداني المرهف الحس والشعور، وطبيعة المرشد والمصلح والواعظ). (16)

نرى ذلك واضحاً وجلياً في فصل (أمام عرش الموت) فتلك المقدمة الخاصة بوضع المرأة الشامية آنذاك. ثم يوقف حدث المناجاة بين سلمى ووالدها، والاستطراد حول مفهوم الأمومة كشاهد، وكان الأجدر إن أراد ذلك أن يضعه على لسان سلمى.

كما شكل ضمير المتكلم بطولة مطلقة في سياج البنية التركيبية للرواية، فهو يقدم الأحداث من زاوية نظر الراوي، فيخبر بها، ويعطيها تأويلاً يوقع القارئ به، فيتأثر به ويميل إلى التمسك به. ولم تخفَ هذه الميزة على دارسيه، إذا يقول كلود براغدون (لقد تنزلت على جبران القوى التعبيرية من معين يقيض بالحيوية الروحية ولولا هذا لما فاز بذلك الانتشار العظيم وتلك الفعالية في النفوس).(17)

وعلى الرغم من كونها ميَّزت أعماله، إلاّ أنها عكست أيضاً جانباً سلبياً على الشكل القصصي والروائي لديه. فكلف جبران بآرائه وتصويرها شعرياً قلل من مفهوم الحبكة التي توصل الحدث إلى ذروته لديه؛ فرغم تلمسه الدقيق للجانب النفسي لشخوصه، وبعده عن نمطية بنائه (خيِّرة أو شريرة) لشخوصه في القصص الأخرى، إلا أن ذلك تلاشى وحبه للتفسير والتبرير. 

ثانياً: بنية المضمون

أ - بنية الحدث

يقوم السرد الحكائي داخل القصة على حكاية تقترب من ذاتية الشاعر أو حياته، فهي تمثل جزءاً من واقع عاش حوادثه جبران في مرحلة شبابه وتأثر بها، مما يعني أننا نلتصق أيضاً بحيز السيرة الذاتية، وبالتالي فهذه الحكاية والتي تروي قصة سلمى كرامة، فتاة بيروت، ابنة المستقبل التي عاشت كما يصفها جبران قبل زمانها فذهبت ضحية الزمن والحاضر.

وسلمى فتاة غنية ووحيدة لأب رؤوم يبادلها كل مشاعر الرعاية والأبوة، وهي فوق ذلك كلُّه ترتبط بابن صديق أبيها وتبادله الحب العذري الطاهر، إلا أنها تصطدم بأطماع المطران الذي يطلبها لابن أخيه منصور اللاهي العابث في الحياة، فتتزوج سلمى منه لتصبح (نظير الأمتعة القديمة في المنزل). وينصرف الزوج إلى اللهو والعبث والقمار، لتبقى سلمى في تعاستها لا يسليها إلا ذلك المحب الصديق الذي لا يبقى لها غيره بعد موت والدها.

غير أنها تقوم أيضاً بابعاده مخافة عليه من غضب المطران، لتبدأ في الدخول إلى معاناة الوحدة والإهمال, التي لا ينجيها منهما إلا حملها بمولودها الذي توفي لحظة ولادته، أخذاً معه روح الأم...

ورغم الحس التصويري الجبراني والذي تميز برومانسية حالمة، إلاّ أن ما تفرزه هذه القصة من ألم قلبين اتحدت عليهما قوانين الجشع والطمع الزمني والكهنوتي مما يضعها في قالب اجتماعي، على عكس ما عدّه بعض النقاد من خلو القصة من هذا الجانب؛ ذلك لأنها نابعة من حس واقعي أو سيرة ذاتية، بمعنى أنه (لا يكتب إلا ما يعرفه من الحياة، أي مما توحي به رغباته ومشاعره، فلا يصف إلا ما يمس ذاته، ولا ينقل إلا ما يؤثر تأثيراً مباشراً في نفسه (...) ومع هذا فإن قصصه لم تصدر عن ذاتية اجتماعية موضوعية وإنما صدرت عن ذاتية رومانسية صرف تعبد صاحبها في محرابها طويلاً حتى أبعده هذا التعبد عن الواقع).(18)

وهذا القول وإن جاور الحقيقة في بعضه، إلا أنه جانبها في إحدى زواياه، فالصحيح خروج تجربة جبران من خلال طرح رومانسي، إلا أن ذلك لا يعني أنه لا يحمل هاجساً قومياً أو اجتماعيا بل إننا رأينا قصور الجانب الفني في بنية القصة أو الرواية، وأرجعنا ذلك إلى بروز آرائه وأفكاره المتمردة على سطوة الواقع، والإخلاص لطرحه الاجتماعي وأفكاره التنويرية، الأمر الذي نراه يتبلور أكثر في كلامنا حول انعكاس شخصية جبران المؤلف على الفعل الروائي. 

ب - انعكاس شخصية جبران على الفعل الروائي

من حيث (إن العالم الخارجي للشخصية يؤثر ويغير عالم الشخصية الداخلي... هذا التغيير يعود مرة أخرى فيؤثر ويغير جزء من العالم الخارجي، وهكذا تصبح العلاقة الجدلية ما بين واقع الإنسان الخارجي ومفهومه أو تصوره/الداخل في حركة مستمرة إلى ما لا نهاية من التأثر والتأثير).(19)

ضمن هذه المقولة كان خضوع الفعل الروائي في (الأجنحة المتكسرة) لشخصية جبران، وانعكاس فعل الكتابة عليه أيضاً، الأمر الذي أحدث بعض التجليات الواضحة في سمات

ضمن هذه المقولة كان خضوع الفعل الروائي في (الأجنحة المتكسرة) لشخصية جبران، وانعكاس فعل الكتابة عليه أيضاً، الأمر الذي أحدث بعض التجليات الواضحة في سمات

الفعل الروائي وحركته إلى الداخل عبر رؤيته للمرأة والتي تعبر عن موقفه الاجتماعي السابق أو عبر الاتجاه الوجداني لجبران وبروز مثالية الحب لديه وموقفه الغاضب من رجال الدين...

إن شخصية سلمى التي تميزت بصفات المدنية والرقي جعلتها تتصف بـ (ابنة المستقبل) مما يوحي بتقدم الرؤية التقدمية والثقافية, ثم التحرر والانعتاق من قيود التخلف، مانحة لنفسها ألقاً تتوهج فيه بمحبة الشاب/ جبران مما يتيح لها الحلم بوردية الأيام والمستقبل, ولكن ما تلبث تلك العلاقات المادية المقيتة المتمثلة في طمع المطران من جهة والضعف من قبل الأب أن تجهض الصورة التقدمية لسلمى, لتتحول سلمى بحادثة زواجها من رجل لم تحبه, وبدون رغبتها إلى رمز الأمة المظلومة, (ولكن أليست المرأة الضعيفة هي رمز الأمة المظلومة؟ أليست المرأة المتوجعة بين ميول نفسها وقيود جسدها هي كالأمة المعذبة بين حكامها وكهانها؟). وبهذا الربط ما بينهما يريد أن يبسط رفضه للتسلط الديني والزمني على حياة الناس والشعوب. فدعوته لتحرر المرأة من عبودية المجتمع وقيوده قد خضعت لرؤية شاملة لهذا التحرر. (فهل يجيء يوم يجتمع في المرأة الجمال والمعرفة، والتفنن بالفضيلة، وضعف الجسد بقوة النفس؟) فهو يريدها أن تتسم بالجمال والضعف الأنثوي، بالإضافة إلى المعرفة والثقافة والأخلاق. وهو يعزو تأخر المرأة في التحرر إلى كثرة العقبات, التي تواجهها من المجتمع الزمني والكهنوتي, اللذين يفرضان وصايتهما عليها. ومن هنا يطرح قضية حرية المرأة في أن تهب نفسها وجسدها لمن تريد, لا لمن تريده رغبات الطامعين. وعليه فلديها المبرر بعد ذلك بأن تعمد إلى التوافق النفسي ولو بالخفاء.

وتفرض شخصية سلمى تساؤلاً عن تلك السلبية التي برزت في مخيلتها تخلي سلمى عن حبها والتمسك به والرضى بزوج لا تشعر تجاهه بأية عاطفة، ثم بعد ذلك إصرارها على العودة للحبيب ومقابلته، ثم الابتعاد عنه، ومحاولة التكيف مع واقعها من أجل قضية الإنجاب.

والأمر ذاته نراه في شخصية البطل الذي مال إلى رغبة سلمى واستسلم إلى مثالية صوفية تسعى إلى ذوبان المحبوب في حبيبه, دون السعي إلى المباشرة الحسية في الحب حتى ولو باللقاء وهذا ما يؤكده في كذا توجه (محبتي لسلمى تتدرج من شغفي في صباح العمر بامرأة حسناء إلى نوع من تلك العبادة الخرساء) أو (إلى كآبة عمياء)، تتحول هذه المثالية في التفاني في ذات المحبوب إلى الدعاء له ولمن تسبب في شقائهما (الزوج), بالسعادة والطمأنينة ثم تنحو النفس إلى العزلة والدموع, لتنقي النفس بالألم الذي يعرِّف المحب جوهر الحياة وحقيقته, وذلك بالالتجاء إلى الغاب والطبيعة العذراء, التي تمثل طهارة النفس الأولى والبعد عن الضجة والمدنية, التي تمثل النفس بعد المعرفة والحضارة وما أدخلته هذه المعرفة من ألم نفسي وأخلاقي.

كما يبلغ جوهر الحياة عند المحب بالعطاء والإحسان، فها هو يذهب لزيارة فارس بعد اعتلال صحته, وليواسي من أحبها حباً نقياً طاهراً (خمرة الآلهة)؛ لتبدأ مرحلة جديدة في الحب، هي مرحلة الصداقة والنصح. فها هو يدعوها إلى (تعالي ننتصب كالأبراج أمام الزوبعة هلمي نقف كالجنود أمام الأعداء...) ليقف بناءه وعبر هذه الكلمات أمام هذا التحول ليبث لنا معنى طهارة الألم الذي يطلب من سلمى أن تصمد وتتحمله. خالقاً منه نزعة مثالية للحياة (فالفراشة التي تظل مرفرفة حول السراج حتى تحترق هي أسمى من الخلد الذي يعيش براحة وسلامة في نفقه المظلم....).

وبالتالي نرى أن بلوغ الأمل في الحياة هو تذوق النفس لمعنى الألم, حتى تستطيع مجابهة هذه الحياة, والترنم بأنشودة النصر والاستظهار. ولم يخلق جبران هذه المثالية, إلا لتعكس رغبته المحمومة في إثبات أثر الحب العذري أو الطاهر في نفس الرجل, وما تحدثه من تفاني في ذات المحبوبة. الأمر الذي يتيح للصداقة, والتراحم بينهما ما يؤسس حياة اجتماعية مستمرة. وبذلك فهو يطرح بصورة الشاب/ جبران في القصة الوجه المغاير لصورة الزوج (منصور) السلبية الملامح والاتجاه, وتلك الصورة هي الصورة المثالية للزواج المقدس, والذي تربطه الآلهة بين قلبين وجسدين متحدين فيما بينهما.

ومن هنا نراه يبث مفاهيمه حول الزواج, ومعاني الزوج وصفاته بطريقة تقابلية ضدية، حيث أن بنية الحكاية لم تفسح له مجالاً لعرض تلك الصفات في صورة الزوج, فحولها إلى صورة المحب. ولهذا فنحن لا نرى لهذا المحب أية هفوة أو خطأ، بل اتجاه إيجابي يصل به إلى أقصى مراحل الصوفية وإنكار الذات.. (فكانا مثل قوتين متصارعتين يفني بعضهما بعضاً في السكينة. والد دنف يذوب ضنى لتعاسة ابنته، وابنة محبة تذبل متوجعة بعلة والدها. نفس راحلة ونفس يائسة تتعانقان أمام الحب والموت، وأنا بينهما أتحمل ما بي. وأقاسي ما بهما.....)، وهو في حوار آخر على لسان سلمى يصرح بمفهوم الصداقة بينهما (ليس لي غير هذا الصديق يا والدي ولن يبقى لي سواه إذا تركتني) والذي يتحول إلى مفهوم (هو رفيق لنفسي) وأيضاً إلى معنى الأخوة (هو أخ أحبه ويحبني). وبالتالي فهو يحول هذا الحب إلى حب عائلي, خاصة بعد أن وصاه فارس بحفظ سلمى ودوام صداقته لها؛ غير أنه مازال يتصف بصفات الألم والحزن (قلب كسير), و(أجنحة مكسورة), و(لويت ظهره وسملت عينيه).

ويبدأ جبران مرحلة من الضياع إذ يتجدد البعد بينهما, ويصبح طريدة بين الليالي والأيام, أو بين الهواجس والأحلام. وبالتالي يتماثل زمن المحب بين حاضره الخارجي المر, وماضيه الداخلي الجميل. ليبدأ مرحلة النسيان بالمعرفة. ونرى أن الألم من ثماره المعرفة والتزود بثقافات الأمم الأخرى (وكم جربت أن أنسى حاضري لأعود بقراءة الأسفار إلى مسارح الأجيال الغابرة).

وهنا يمتزج الألم بالحب ويوجه المعرفة المطلوبة (لم أكن أرى من مواكب الأجيال سوى أشباحها السوداء). بمعنى حب الألم والصبر عليه والتداوي (بالتي كانت هي الداء)، فهو يهرب من ألمه إلى ألم الآخرين, ومعاناتهم, ليزيد النفس صبراً على الألم وخلاصاً لها من عبودية النفس. وتحرراً لها من الشهوة، وسمواً لها في الحب. وبالتالي فإن التلذذ بمآسي الآخرين، يمدنا إلى نزعة جبران الدينية والتي تقربه من اليسوع الذي يمثل رمز تحمل الألم والصبر عليه. وأيضاً نزعة التصوف، فهو يرى في (سفر أيوب كان عندي أجمل من مزامير داود، ومراثي أرميا كانت أحب لدي من نشيد سليمان، ونكبة البرامكة أشد وقعاً في نفسي من عظمة العباسيين، وقصيدة ابن زريق أكثر تأثيراً من رباعيات الخيام، ورؤية هملت أقرب إلى من كل ما كتبه الإفرنج).

والمتأمل في حياة جبران يرى أن مثالية الحب لديه ترجع في نواتها الأولى إلى النظرة القدسية, التي ولدتها صورة الأمومة لديه وإذا كنا نرى الصفات السلبية واضحة عند الرجل، إلا أننا نراها خاصة في هذه القصة الاتجاه الإيجابي للمرأة التي تتمثل في شخصية سلمى الشكل الإيجابي الظاهر للمرأة. وصورة الأم المغيَّبة ولكنها تتسم بتفعيل المثالية والإيجابية، بل إنها تأتي لتمثل دور الزوجة المخلصة المحبة والصادقة لزوجها، وتؤدي دورها المطلوب منها دون وجل أو خوف, ثم هي تظهر من خلال رسم صورة من الماضي الجميل، فإذا هي ملاك قادم في ذكرى زوج وفيّ ومحب، وهو في طور استعداده للرحيل. وعليه نرى تمثل جبران لهذه الصورة النقية في الحب في عناصر الطبيعة (كل شيء في الطبيعة يرمز ويتكلم عن الأمومة، فالشمس هي أم هذه الأرض ترضعها حرارتها وتحتضنها بنورها ولا تغادرها عند المساء إلا بعد أن تنومها على نغمة أمواج البحر وترنيمة العصافير والسواقي، وهذه الأرض هي أم للأشجار والأزهار تلدها وترضعها ثم تقطفها. والأشجار والأزهار تصير بدورها أمهات حنونات للأثمار الشهية والبذور الحية) وإذا بها تتحول وتتسامى نحو الكلية والمعرفية للكون وتصبح الأمومة بمعناها الشمولي (وأم كل شيء في الكيان هي الروح الكلية الأزلية الأبدية المملوءة بالجمال والمحبة).

ولعل الدارس لسيرة جبران الذاتية وتصريحاته الخاصة بذلك يعلم ما تشكله كلمة (الأم)، أو (الأخت)، أو (الصديقة)، أو (الحبيبة) في حياة جبران من أهمية, بل ومن امتداد لجبران المبدع فإذا ما خرجنا عن تعلقه بأمه, وحبه الشديد لها، ورأينا علاقاته بالأخريات وهذا الاتفاق على هدوئه العاطفي نسبياً تجاهها، والذي يوفره كطاقة على حد تعبيره للإبداع والفن، فهو يقول لماري هاسكل كل (إن الهيجان عنده يعني مرضاً لمدة شهر، بالإضافة إلى ثمن باهظ يدفعه من نفاذ طاقته لأيام عديدة).(20) وهو في فصل (باب الهيكل) من القصة ذاتها نراه يعبر عن التجاذب الروحي والجمالي بين المرأة والرجل (عرفت أن للجمال لغة خالدة تضم إليها جميع أنغام البشر وتجعلها سكوتاً أبدياً (...) الجمال الحقيقي هو أشعة تنبعث من قدس أقداس النفس وتنير خارج الجسد مثلما تنبثق الحياة من أعماق النواة وتكسب الزهرة لوناً وعطراً، هو تفاهم كلي بين الرجل والمرأة يتم بلحظة، وبلحظة يولد ذلك الميل المترفع عن جميع الميول).

وبالتالي نرى هذا الترفع عن الميل الجسدي للمرأة والتناهي لجعل الحب عذرياً خالصاً للحب ولجماله. وهذا التعفف إنما يرجع إلى فكرة تقديس المرأة في صورة الأم، عبر تجلياتها المختلفة في صور المرأة عند جبران إلى الحد الذي يجعل الحب مخلوطاً بالموت، وإن طريق الوصل هو طريق الموت. 

الخاتمة

في خاتمة هذه القراءة للاتجاه السردي والفكري لجبران في قصته مع ما استشفّ لدينا من ميول فكرية واجتماعية لديه, تبرز وتتجلى عبر مقولاته وشخصياته. مما أدى به إلى عدم عناية كافية بالشكل السردي للقصة, أو الاهتمام بها من منظور بنية درامية محكمة. كذلك تأثره الديني والفلسفي، والذي يقودنا إلى فكرة الانعتاق من الحياة المادية في الحياة, ووصولاً إلى مرحلة الخلاص الروحي. وقد ذكرنا سابقاً أن الحب لديه يصل في مرحلة ما إلى درجة الفناء والتفاني للمحبوب. وبالتالي فهو هجر الروح للجسد بشكل نفسي وانعتاقها لكل متطلبات هذا الجسد وميوله، تلك هي خلاصة موقف الرومانسيين من الحياة (والرؤية المأساوية للحياة واعتبار الموت هو المخلص من الواقع (الكابوس) والسجن الخانق. فالموت وسيلتهم الوحيدة للعثور على الجديد وما هو هذا الجديد؟ هو شيء غير محدد هو الضد الأجوف الفارغ للواقع الموحش وعلى قمة هذه المثالية يتربع الموت المملوء بالعدم والفراغ).(1) 

ولعلنا لا نخطأ إن جعلنا بطل هذا الفصل هو الموت بتوجهاته المختلفة، التي أبرزتها الرؤية الفلسفية السابقة، ثم تصدرها عنوان الفصل (أمام عرش الموت) فلو فصلنا الكلمة (عرش) لوجدنا أن شحنتها الدرامية إيجابية بينما الشحنة الضدية تكون للموت:

عرش         الهيبة = الوقار = الأمن والطمأنينة = سلطة فوقية (+)

الموت        الخوف = الفراغ = الفزع = العدم = النهاية (-)

وتأتي المفردة الظرفية (أمام) لتسجل الكثافة الزمكانية في هذا الحدث (أمام عرش الموت) وهو تكثيف رمزي ينبض بذات شعرية ورؤية مثالية وإيجابية للموت. 

والواقع أن معنى الفناء أو الموت جاء باتجاهين متضادين داخل الفصل:

1-       الاتجاه الأول بمعنى العدم وعدم جدوى الحياة نتيجة سيادة واقع غير مرغوب فيه تجد ذلك وفق المفردات التالية والتي عبر فيها عن مصير المرأة بزواجها التجاري:

زوايا المنازل              إهمال    =   تعتيم  =  عدم  ( - )

الأمتعة القديمة

الظلمة = الفناء البطيء             العدم (الموت) ( - )

كهوف الذئاب     السلطوية الطاعنة = الافتراس = العدم (الموت) ( - )

(تترك الحروب جماجم القتلى في البرية)          الاستهزاء بالآخرين + الإهمال + التهاون = العدم (الموت) (-)

الدهر يسحقها      التمعن في التدمير والتعتيم = العدم (الموت) ( - )

ظلمة القبر           الفناء السلبي = استبعاد – العدم (الموت) ( - )

آثار أقدام/ تمحوها الأمواج           الهشاشة السلبية = الزيف = الخواء والعدم (الموت) (-)

وإنما تقابل هذه الألفاظ في دلالتها وشحنتها الشعورية ويستحضر موقف جبران تجاه قضية المرأة الشرقية، ومسألة تحررها من التسلط الاجتماعي والديني.

ودلالة الموت هنا تنبثق من الظلم وعيشة القهر في الحياة، وإنما يتأتى أيضاً من كون الموت الفيسيولوجي ينهي حياة المرء وهي تملأ بالعذاب والحرمان فالخواء يصبح في الحالتين واحداً. 

2-       وأمام هذا الاتجاه ينبثق اتجاه آخر هو في رؤية الشاعر للموت شفاءً وخلاصاً من العذاب، والألم مطَّهر للنفس وموصِّل لها لسبيل الخلاص حيث أن الموت طريق لخلود الروح وانبثاقها في عالم المثالي إذ العدالة، والحب، والخلود الأبدي، وهذا ما عبر عنه من خلال بطلته سلمى، وأبيها فارس كرامة. 

إنَّ جبران إذ يقرر أن (تعاسة سلمى كانت علِّة في داخل النفس لا يشفيها سوى الموت). وهو في أول حديثه في الفصل ليوجه حركة الدائرة إلى أوج اتصالها بالنهاية/ الخلاص.

وكما يتصفح لنا وجه فارس الذي لا يظهر إلاّ بملامح الموت المكشر عن أنيابه في هذا الجسد، وهنا نراه يصف مقدم الموت في ملامح فارس المتغيرة بسلاسة جميلة وشاعرية ذات نزعة تشاؤمية محببة إلى قلب جبران؛ تعمقها مقولته في وصف سلمى وأبيها (نفس راحلة ونفس يائسة تتعانقان أمام الحب والموت). وهو يبرر موت فارس في خطابية شاعرية تبرز هذا المفهوم المتوج لأفكار جبران التأملية (..والآن قد صرت شيخاً طاعناً وراحة الشيوخ بين أجنحة الموت الناعمة) فترى هذه الاستعارة الحالمة للموت مفادها نزعة جبران في عتق الروح من الحياة الزمنية المريرة (فإن أسرعت بي الساعات إلى الأبدية فلأنها علمت أن روحي اشتاقت إلى لقاء أمك...).

ونحن نرى كيف هو إصرار فارس في الخلاص والذهاب بهدوء ينم عن بصيرة لما وراء الغيوم حيث الشفافية والطهر والطيران بأجنحة تحاول كسر كل قيود وأصفاد الحياة والجسد لتلج بالروح إلى مرساها.

ولنرى هذه الفرجة في فسحة الأمل نحو الانعتاق والخلاص عند فارس (ها قد طابت...).

بل نرى قناعة الرحيل والإصرار عليه من خلال وصايا فارس لابنته وحبيبها، إذ أن الحزن والدموع لا تمكِّن المادة الترابية للروح من العودة للطبيعة الأم واحتضانها له واستعادتها منه لتمثل عشباً أخضراً, أو زنبقة جميلة, وكأنما الروح تتقمص عناصر الحياة بشكل أو بآخر.

بل يدعوها للابتهاج والفرح من أجل خلاصه، ويربي بهذه الروح أن تمنعها صلاة كاهن, أو علاج طبيب من إكمال رحلتها الأبدية نحو عاطفة أسمى, وهي عاطفة الأم/ الطبيعة, واحتضانها لتلك العناصر (مات فارس كرامة وعانقت الأبدية روحه واسترجع التراب جسده).

ومما لا شك فيه أن بذر نبتة التقمص في القصة واضحاً من خلال حديثنا السابق.

وإذا كان الموت يشكل خلاصاً للروح وانعتاقاً لها؛ فهذا أيضاً ما يثيره الألم في النفس، فهو يطهرها وينقيها ويجعل من الألم مثالاً للطهر وللتخلص من أوجاع الحياة والظلم. ولهذا فالكاتب يدعو بطلته أن تواجه الألم, وتتحمل قسوة الحياة بإصرار وعزيمة, لترجعنا إلى الاتجاه الديني والفلسفي لمسألة الألم. وكونه محطة من محطات الأبدية للإنسان (تعالي يا سلمى... نيسان).

بل إنه يجعل من الإنسان الذي لا يشعر بالألم لن يشعر بجسده وارتقائه، ولهذا نرى في الكاتب إصراراً على سلك طريق الألم والتلذذ بالبكاء والنواح والحزن (فسفر أيوب كان عندي... الفرنج).

ومن هنا نرى أن الموت والألم طريقان للنفس نحو الأبدية والطهر عند جبران مستكملاً بذلك دائرية المعنى الذي بدأ في بداية هذا الفصل منذ عنوانه (أمام عرش الموت).

ليلى السيد

12 فبراير 2001

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى