لاحق

تجارب

سابق
 
 

 

دراسات

بنية خصائص الأسلوب للنص النواسي

المقدمة

من هو أبو نؤاس؟ ما شعره؟ وإلى أي حد نحن نقف على حقيقته الشِّعرية خاصة؟

لعل هذه الأسئلة كانت العتبة الأولى لهذا البحث التي تتجه أوراقه إلى دراسة النّصّ النُّواسي، من خلال أبرز سماته الأسلوبية، لعلها تقف على باعث الاختلاف في شخصية النُّواسي وشعره عن غيره من الشُّعراء الذين سبقوه أو عاصروه...

ولعل أبرز الأسباب التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع ما يلي:

1-                              أن هذا الموضوع يظلُّ يحتفظ بجدَّته بين الدراسات رغم كل ما كتب عنه.

فالمستعرض للدراسات التي كتبت عنه يجدها دائماً تبحث الجانب التاريخي لهذه الشخصية أو الموضوعي. وهذا في الوقت نفسه ليس سيئاً فنحن بحاجة له أيضاً؛ لكننا أيضاً بحاجة إلى إبراز مميزاته الأسلوبية بشكل علمي أكثر عن ذي قبل.

2-                              محاولة كشف الغموض الذي يكتنف الشاعر وشعره، والذي رغم ما يحتلها من مكانة عند الخاصة من الناس لا نرى هذه المنزلة قد أعطيت له تاريخياً، ولم يحظ بتكريم له، ولشعره إلا فيما ندر...

ولقد اتبعت المنهج الأسلوبي بشكل عام داخل البحث، وهو من المناهج الحديثة والتي تعنى، بشكل التعبير داخل النّصّ، فهي الطريقة التي ينتهجها الشاعر من أجل توصيل مضمون وفكرة رسالته ولهذا فهي ستحتفظ أيضاً بشخصية الكاتب، وثقافته. الأمر الذي يحيلنا في بعض الأحيان إلى الجانب التاريخي، لا كدراسة تاريخية بحتة، ولكن وصولاً للغاية الأسلوبية، ولقد أشرنا سابقاً لأهمية مثل هذه الدراسات في النقد العربي خاصة القديم منه، إذ هُضم حقه في مثل هذه الدراسات التي تفسح مجالاً كبيراً لاستيعاب بنية النّصّ الشàعري، وسبر أغواره أكثر. ولهذا جاءت مصادر البحث واسعة وكثيرة كان أبرزها وأهمها ديوان أبي نؤاس (تحقيق الغزالي) وهي الطبعة المعتمدة، ثم كانت المصادر والتراجم التاريخية له، ومن ناحية المنهج الأسلوبي كان الاعتماد أكثر على كتاب محمد الهادي الطرابلسي (خصائص الأسلوب في الشوقيات)، وهو كتاب تميز بدقة إجراءات المنهج التنظيري، بالإضافة إلى دراسته العملية عليه. هذا بالإضافة إلى المراجع والكتب الأخرى، والتي اعتمدنا بعضها لاستفادة البحث منها.

ولقد تركزت مشكلة البحث في عدم انتظام النّصّ النُّواسي؛ لكتابته في غير عهد الشاعر وبالتالي فالنّصّ لم يسجل له زمناً، أو حدثاً إلا من خلال تتبع الأخبار الخاصة به. ولهذا جاء مخطط البحث مبتدئاً بمدخل حول زمنية النّصّ النُّواسي لأهميته في البحث. ثم قُسِّمَ البحث إلى ثلاثة فصول:

الفصل الأول: تناول الصُّورة الموسيقية من حيث العروض والوزن، واعتمد الأسلوب الإحصائي في ذلك؛ وإنما بدأنا بالصُّورة الموسيقية، على اعتبار أن الوزن هو المدخل الأول للقصيدة عند السامع أو القارئ.

الفصل الثاني: الصُّورة الشِّعرية في النّصّ النُّواسي ، ولقد تناولنا فيها التشبيه، والاستعارة، والكناية، ثم عمدنا إلى جاهزية التعابير والصور عند أبي نؤاس. وتعدُّ الصُّورة الشِّعرية الباب الثاني لمتلقي النّصّ.

الفصل الثالث: الصُّورة اللّغوية في النّصّ النُّواسي ، وتم ترتيبها من حيث إتيانه بالألفاظ غير العربية، ثم بالألفاظ الشَّعبيَّة والمولَّدة وأخيرا دراسة المعجم الشِّعري له. وقد يعترض البعض أنَّ هذا الفصل يجب أن يكون في البداية؛ لأنها اللّغة أي الألفاظ، لكنني بدأتُ بالعام ثم تدرَّجتُ إلى خصوصية اللفظة واللّغة لديه، إذ أنها ستكون ناتجاً لما سبق وليست سبباً.

 

المدخل:

زمنية النّصّ النُّواسي 

قد يتبادر إلى ذهن القارئ غرابة التسمية؛ خاصة أنَّ ما سوف يندرج تحتها هو عبارة عن نبذة تعريفية حول الشاعر: عصره، وحياته، وشعره.

وإنما دونت هذه المعلومات بهذه التسمية، لأسجل أن الباعث من سرد هذه النبذة التاريخية لأجل دراسة زمنية متعاضدة؛ زمنية الفترة أو العصر الذي عاشه الشاعر، وزمنية الشاعر ذاته من حياته ونشأته وبيئته، وثقافته، ثم زمنية الكتابة نفسها وهي كلها فضاءات تتواشج فيها لحمة الزمان بالمكان ولربما أنتجت لنا بعضاً من مقومات النّصّ النُّواسي.

على أن هذا لا يعنى أننا سنحيل كل شعرية الشاعر إلى المجتمع وعلاقته بها، وكونه نتاج عصره، وإن عدَّ هذا القول من الصحة، فالمجتمع مؤثر بشكل أو بآخر في إبداعية الفرد، فهو المحرك لتجربة الشَّاعر، خاصة إذا كان هناك ما يسمى بلحظة التوتر في العلاقة بين قوانين وأنظمة وأخلاقية المجتمع، وبين الذات الشاعرة التي تحاول إخراج الداخل وسبغه على العوامل الخارجية ضمن تجربة فردية ذاتية بحتة. هنا فقط تتم فاعلية المجتمع المؤثر، تجاه الفرد المبدع.

أ ـ عصره:

امتاز القرن الثاني الهجري بتطور ملحوظ في الحياة السياسية والاجتماعية، والثقافية، وأيضاً الدينية: فعلى الصعيد السياسي بدأت الدولة في تثبيت دعائم هذا الملك وتطوره، ولكن بطابع فارسي فقد اتخذت من الفرس درع الدّولة الأول في الوزارة والحجابة، وشئون الدّولة مما أوغر صدور العرب. 

كما ساد الأمن وبعض الرَّخاء، الأمر الذي جعل نمط الحياة الاجتماعية تميل إلى التحضر والتمدن، وذلك نتيجة امتزاج العرب بحضارات الأمم المختلفة؛ خاصة الفارسية، تلك الحضارة التي بدأت تجد لها متسعاً في الدولة الفتية، فبات بناء القصور كقصور الأكاسرة ولباس الخلفاء، هو لباس فارسي، وزاد اللهو والمجون، والترف والغناء، وكثرت الجواري، والقيان، التي ازدانت قصور الخلفاء، والأمراء بهن، وعدَّها البعض مرآة لتفشي الأدب المكشوف والغزل الفاحش. وتعددت أماكن اللهو والترف، خاصة من الأديرة التي هُجرت بإسلام أهلها، فباتت للمتع والمنادمة. 

ولقد أفرزت هذه الحقبة من سعي حثيثاً لبث الثقافة الفارسية وإحياء حضارتها، فكانت الشعوبية التي اتسعت دائرتها في هذا القرن؛ والتي يقسمها الناقد يوسف خليف إلى قسمين:

شعوبية مذهبية حاقدة على العرب وتسعى من أجل الإطاحة بالحكم العربي وتقويض دعائم الحضارة العربية، أما القسم الثاني فكانت شعوبية اللسان، وهي تتمثل في الإعجاب بالحضارة الفارسية، وتتيحه للمرء من حرية، ومن فرص للهو والعبث، ومثل على ذلك بشاعرنا أبي نؤاس(1)، وقد وصفه ابن العميد بأنه "شعوبي اللسان"، وكذلك أقرّها وأكدّها في كتابه عبد الله سلوم السامرائي(2) بل وعدَّها في مصاف الشعوبية المذهبية؛ إذ أن مذهب هؤلاء أيضاً تشويه وهدم حضارة العرب عن طريق التظاهر بالإسلام مرة، وبالولاء القبلي والحزبي مرة أخرى، رافعين شعار المساواة كواجهة لأهدافهم(3).

كما ظهرت الشعوبية، وعمَّت مظاهر التمدن والترف، فكذلك ازدهرت الحياة الدينية فأبرزت المذاهب الأربعة وأصحابها وباتت حلقة النقاش والاختلاف الديني مزدهرة. كما جاءت مذاهب وفرق أخرى كان لها شأناً في التواصل الديني والثقافي مثل المعتزلة، والمرجئة، والخوارج، والشِّيعة.

وقد وضع كتاب (الموطأ) لمالك، بإيعاز من المنصور، الذي ازدهرت علوم الشرع واللسان في عهده، هذا إلى جانب الشِّعر والأدب. وكذلك جاءت شهرة الرشيد بوعيه للأدب والثقافة وبتشجيعه النقل من الثقافات والحضارات الأخرى، وبدأت الحروب الكلامية والفلسفية أيضاً، كما ازدهر التأليف العلمي في عهده.

ولعل هذا الموجز عن ملامح عصره، تبلغ مسعاها المناطة به.

ب ـ حياته:

كانت سمة الاختلاف في حياة هذا الشاعر سمة غالبة عليه، سواء في مولده، أو نسبه، أو وفاته، أو شعره، أو حتى عقيدته... الأمر الذي خلق منه توهجاً وغموضاً، حار فيه الدارسون له ولسيرته.

ولد الحسن بن هانئ ما بين (130/ 747) ـ (145/ 764). من أب عربي، قيل أنه من جند مروان بن محمد، بينما أمه فارسية الأصل وتدعى: جلُّبان ومنها أتقن اللّغة الفارسية، بل وحذق بها.

ولد بالأهواز، وبعد وفاة والده وهو ابن السادسة، انتقلت به أمه إلى البصرة، وهناك تعرف على واليه بن الحباب فاخذ من أدبه ومجونه، ثم لزم خلف الأحمر، كما أخذ من علماء البصرة والكوفة وتعلم على يد أبي زيد الأنصاري غريب الألفاظ، وسكن بادية بني أسد لفترة، حتى تستقر لغته ....الخ.

كل هذه النشأة الطويلة مكنته من الشِّعر، والعلم، والرواية والفقه، وبات حديث أهل زمانه شاهداً على سعة علمه وثقافته: نرد من ذلك قول الجاحظ (ما رأيتُ أعلم باللّغة من أبي نؤاس، ولا أفصح لهجة منه).

ولقد اتصل بالرشيد ببغداد، ومال إلى مدح البرامكة، كما مدح آل الربيع وآل نوبخت. وبعد نكبة البرامكة ذهب إلى مصر، فمدح الخصيب، ثم عاد إلى بغداد، فمدح الأمين ولازمه في حياته إلى أن قتل الأمين، فجزع عليه أبو نؤاس، وباتت تقلبات الحياة تعترضه، فمال إلى الزهد وأقلع عن شرب الخمر، واستطالت به العلة حتى توفي ما بين (198/ 811) ـ (199/ 814)، ودفن في مقابر الشونيزي.

وقد رثاه أحد غلمانه لحظة وفاته:

مات البديع وماتت دولة الفطن   واستدرج الموت روح الشِّعر في كفن

ج ـ آثاره:

لم يدوِّن ديوانه في حياته أو أشرف على جمعه وكتابته، كما عند بعض شعراء عصره، وإنما اعتنى بجمعه وتدوينه بعض العلماء والرواة، ولقد أثبت ابن النديم في "الفهرست" إحدى عشر رواية للشعر النُّواسي، أهمها:

رواية أبي بكر الصولي (335/ 946) وهي في عشرة أبواب. أما الرواية الثانية فهي لأبي حمزة الإصبهاني وقد خصَّها بمقدمة حول شعر أبي نؤاس، وقد رتب الديوان على اثني عشر باباً: الباب الأول في نقائضه مع الشِّعراء وأخباره مع القيان، الثاني في المديح، الثالث في المراثي، فالعتاب، فالهجاء، فالزهد، فالطرد، فالخمر، ثم جاء التاسع ليكون بين الخمر والمجون، فالعاشر في غزل المؤنث، والحادي عشر في غزل المذكر، والثاني عشر في المجون، وقد نُشِر علمياً على يد المستشرق الألماني "ايفالد فاغنر"، ثم تلته تحقيقات أخرى لديوان أبي نؤاس.

والأمر اللافت للإنتباه حقاً، أنه رغم شيوع شهرة أبي نؤاس في حياته إلا أنه لم يذكره أبرز تراجم عصره، بل جاء ذكره عند ابن النَّديم باقتضاب، وكذلك صاحب "الأغاني" الذي لم يذكر إلا خبره والجارية جنان، وإنما عنى بجمع أخباره ابن منظور في كتابه "أخبار أبي نؤاس" وأبن هفّان في أخباره.(4)

ونخلص من ذلك أن زمن تدوين النّصّ النُّواسي هو أمر مشكوك فيه، أضف إلى أن بعض الأشعار هي أصلاً في قالب الشّك، والحمد لله لثبوت فترته الوسطية وهي حياته في بغداد واتصاله بالأمين، الأمر الذي أثبت بعض الملامح المرجوة لشعره، وأعتقد أنه من الخسران بمكان أن يفقد النّصّ النُّواسي زمنيته المباشرة له، فهي قد تضيف للباحثين في بنية النّسق النُّواسي وتطوره الشي الكثير.

 

الفصل الأوّل

الصُّورة الموسيقية للنّصّ النُّواسي 

تعدّ حركة الموسيقى الداخلية والخارجية إحدى المكونات التي تبرز طاقة القصيدة الشِّعرية، وتدفق شحنتها الشعورية من خلال وحدات الصوت المختلفة.

ولعلّ حركات التجديد التي شهدها العصر العباسي التي أبرزها: ازدهار الغناء ومجالس الطرب والشراب من الأسباب التي حدت بالشُّعراء العباسيين إلى تطويع القصيدة لمتطلبات التلحين الغنائي، فشاعت الأوزان القصيرة، وقد ذكرها محمد مصطفى هدّارة وهي: مجزوء الكامل، ومجزوء الرمل، ومجزوء الرجز، ومجزوء المنسرح، والبسيط المخلع، والمجتث، والخبب، ومجزوء المقتضب والمتقارب.(5)

وكذلك استخدم الشِّعراء المولدون بحوراً مهملة كما يرى أبو العلاء المعرّي: مثل استخدام المضارع والمقتضب، وأخرى عرفت ببحور المولدين مثل: المستطيل، الممتد، والمتّئد، والمنسرد والمطّرد.(6) ولم يكتف النقاد القدماء، والمحدثون من وصف حركة البحور في الشِّعر، بل شرعوا إلى التعليل النفسي، والإيقاعي لاختيار الشِّعراء لهذه الأوزان وعرضها من حيث استحقاقها للموضوع المتناول.(7)

ولقد قمنا بدراسة النّصّ النُّواسي من حيث توزيع القصائد على البحور الشِّعرية، واستظهار نسبة البحور وتكرارها في قصائده ومقطوعاته، ثم بيان توزيع هذه البحور على الأغراض الشِّعرية التي تناولها ديوانه (ولقد اعتمدنا تحقيق الغزالي في ذلك)، لاستظهار بعضاً من ملامح الصُّورة الموسيقية في النّصّ النُّواسي، بالإضافة إلى نسخة دار مكتبة الهلال(غزليات أبي نؤاس) للتفرقة بين الغزل المذكر والغزل المؤنث.

من خلال الجدول التالي (حدول رقم 1) سندرس توزيع البحور الشِّعرية في ديوان الشاعر.

 

قسمت بحور الشِّعر إلى خمس دوائر ووفق ترتيب الخليل لها.(8) كما استفدنا من تجربة د.محمد الهادي الطرابلسي في كتابه (خصائص الأسلوب في الشوقيات).(9) ولكن بتصرف يتناسب وهدفنا.

ولقد صُنّفت الدوائر كالتالي:

أولاً: دائرة المختلف وتضم:

1)   الطويل: هو بحر مزدوج التفعيلة. ولم يرد في شعر العرب إلا تامّاً، قد عدَّه البلاغيون بحر الحماسة والمعاني القوية الجزلة كالفخر والوصف. وقد استعمل أبو نؤاس هذا البحر في 135 قصيدة، أي بنسبة 15%، وهو يحتل المركز الثاني في نسبة استعمال الشاعر له في ديوانه، ولقد كان مجيداً له من حيث النفس الشِّعري، إذ كان ينزع إلى الطول، فقد بلغت أبياته 77 بيتاً، جاء أكثرها في غرض الخمر (القصائد 44/ الأبيات 432)، فالغزل بالمؤنث (القصائد 32/ الأبيات 154)، المدح (القصائد 20/ الأبيات 208)، الهجاء (القصائد 18/ الأبيات 109)، ثم بقية الأغراض والتي يستثنى منها الطّرد.

2)   البسيط: احتل هذا البحر المزدوج التفعيلة المركز الأول في استخدام الشاعر، بنسبة تقدر بـ 15% فجاءت عدد القصائد والمقطوعات فيه 133 قصيدة ومقطوعة، أما الأبيات فكانت 1113 بيتاً مما يعنى أنّ النّفس الشِّعري فيه ينزع إلى الطول: ولم يكتف في استعماله تاماً بل جاء به مجزوءاً، وكذلك مخلعاً وتلك إحدى الميزات البلاغية للشاعر. وأكثر استخدامه في الغزل بالمؤنث (القصائد 61/ الأبيات 318)، الخمر (القصائد 44/ الأبيات 561) وتوزع على بقية الأغراض إلا الطّرد.

3)   المديد: هذا البحر مزدوج التفعيلة وقد استخدمه الشاعر تاماً فقط وبقلة، فقد تراوحت نسبة استخدمه بـ 1%. وجاء استخدامه بواقع أربع قصائد وأربعة وستون بيتاً. واستَخدم فقط في المدح (قصيدتان) والطرد مقطوعة واحدة وبعضاً من الأبيات في الزهد. 

ثانياً: دائرة المؤتلف وتضم:

1)   الكامل: هذا البحر موحد التفعيلة، وقد استخدمه الشاعر في مظهريه تاماً، ومجزوءاً، فنسبة اتجاهه إليه تقدر بـ 13%، فكانت عدد القصائد 61 التامة منه، أما المجزوءة فكانت تصل في عددها إلى 43 مقطوعة وقصيدة. وقد كثر استخدامه له في المديح، وتلاه غرض الخمر ثم الغزل بنوعيه. ولقد استخدمه في جلَّ أغراضه الشِّعرية، ما عدا الطّرديات...

2)   الوافر: بحر موحد التفعيلة وقد عرَّفه العرب، بأنه من ألين البحور، وأكثرها مرونة. وقد استخدمه الشاعر بمظهريه التام والمجزوء، وبنسبة 11%؛ غير أنَّ النُّقاد جعلوه صالحاً للرثاء بشكل أكبر، بينما نرى من الجدول أنه تم توزيعه على أغلب الأغراض ما عدا الطّرد منها ولم تكن حصة الرثاء إلا بمقطوعتين فقط، بل استخدم أكثر في الأغراض التالية: الغزل بالمؤنث (القصائد والمقطوعات 51/ الأبيات 189)، الخمر (القصائد 28/ الأبيات 282)، الغزل بالمذكر (القصائد 18/ الأبيات 127)، الهجاء (القصائد 17/ الأبيات 97)، المديح (القصائد والمقطوعات11/الأبيات 49)، فبقية الأغراض الأخرى... فكان استخدامه في الديوان يصل إلى 134 قصيدة ومقطوعة 791 أما الأبيات فكانت 791 بيتاً.

ثالثاً: دائرة المجتلب:

1)   الرجز: هذا البحر موحد التفعيلة. وقد استخدمه الشاعر بمظهريه تاماً ومجزوءاً، كما استعمله على مظهريه: كبحر موحد القافية أو بتنوع قوافيه فيطلق على هذا النمط بالأراجيز. وكان استخدامه له بنسبة تقدر بـ 9%. وكان غرض الطّرد هو المتصدر في استخدام الشاعر لهذا البحر من خلال قصائده وأراجيزه، إذ بلغت القصائد 43 قصيدة أما الأبيات فكانت 401 بيتاً، فالغزل بالمؤنث (القصائد 17/ الأبيات 108) وتوزع استخدامه على بقية الأغراض، فيما عدا العتاب وبالتالي بلغت قصائده في هذا البحر إلى 76 قصيدة وأرجوزة و694 بيتاً. 

2)   الرمل: هذا البحر موحد التفعيلة وقد استعمله الشاعر تاماً ومجزوءاً. ولرقّته فقد استخدمه الشاعر أكثر في غرضي الخمر (القصائد 31/ الأبيات 201)، والغزل (القصائد 25/ الأبيات 156). ولقد توزع على كل الأغراض الشِّعرية في الديوان. إذ تقدر نسبة استعماله بـ 7%. وقد بلغت قصائد هذا البحر 71 قصيدة أما الأبيات فكانت 540 بيتاً. 

1)   الهزج: من البحور الموحد التفعيلة. ورد تاماً، وقد استعمله الشاعر في ثلاثة أغراض فقط: الهجاء (القصائد 6/ الأبيات 33)، الخمر (القصائد 4/ الأبيات 34)، الغزل بالمذكر (مقطوعة واحدة بواقع 5 أبيات). فكانت نسبة هذا البحر  1% من استخدامات الشاعر. 

رابعاً: دائرة المشتبه وتضم:

1)   الخفيف: هذا البحر مزدوج التفعيلة. امتاز عند العرب بخفته وصلاحيته لجميع المعاني. وقد استخدمه الشاعر تاماً بكثرة وقلل من مجزوءه، فكانت مجموع قصائده 75 قصيدة، أما الأبيات فكانت 461 بيتاً، أي بنسبة تقدر بـ 6%. وأكثر قصائده في الغزل بالمذكر والمؤنث (القصائد والمقطوعات 29/ الأبيات 166)، الخمر (القصائد 22/ الأبيات 158)، وقد خلا غرض الطّرد من استخدامه وتوزع على بقية الأغراض الأخرى. 

2)   السريع: بحر مزدوج التفعيلة. والغالب لا يرد إلا تاماً، لكنه ورد عند الشاعر مجزوءاً بمقطوعة شعرية واحدة في غرض الغزل المؤنث، وأكثر استعماله في الغزل (القصائد 70/ الأبيات 369)، والخمر (القصائد 27/ الأبيات 243)، وقد خلا الزهد من استخدامه. ولقد بلغت عدد قصائد هذا البحر 129 قصيدة، و839 بيتاً، أي بنسبة بقدر بـ 12%. وتعد هذه النسبة هي المرتبة الثالثة في استخدام الشاعر للبحور. وبالتالي فهو يمثل أهمية كبيرة في استعمالات الشاعر للبحور. 

3)   المجتث: هذا البحر مزدوج التفعيلة. وقد استعمله الشاعر تاماً فقط. وتم توزيعه على الأغراض بنسب متقاربة جداً فيما عدا الطّرد الذي خلا منه. فقط بلغت قصائد هذا البحر إلى 16 قصيدة أما الأبيات فكانت 281 بيتاً، أي بنسبة تقدر بـ 4%. 

4)   المنسرح: بحر مزدوج التفعيلة. ورد عند الشاعر بمظهر واحد وهو التام. وبلغت قصائده 37 قصيدة و326 بيتاً أي بنسبة 4%. كثر استخدامه فقط في غرض الغزل (القصائد والمقطوعات 18/ الأبيات 116)، وتوزع على بقية الأغراض بنسبة متقاربة ولم يستخدمه الشاعر في العتاب والهجاء.

5)   المقتضب: بحر مزدوج التفعيلة أيضاً. وقد جاء به الشاعر في مقطوعة شعرية واحدة ولا تعد له نسبة قياساً للبحور الأخرى، ويعد استخدام هذا البحر قبل أبو نؤاس نادراً في الشِّعر العربي.

خامساً: دائرة المتفق:

1)   المتقارب: وهو بحر موحد التفعيلة. وقد استعمله الشاعر تاماً فقط استخدمه أكثر في الغزل بتسع قصائد، و38 بيتاًن والهجاء بستة قصائد و53 بيتاً. ولم يستخدمه في المدح والرثاء، والعتاب والطّرد. 

وبالتالي فقد احتلت بحور شعرية المستوى الأول في استعمال الشِّعراء لها، وشاعت في استخدامها دون بحور أخرى، يكون تراتبية هذا الاستخدام كالتالي:

1)      الطويل 36%

2)      الكامل والبسيط 12%

3)      الوافر 11%

4)      الخفيف 8%

5)      الرجز والمنقارب 4%

6)      السريع والمنسرح والرمل 3%

7)      الهزج والمديد 1% (1)

وحسب ما رأيناه فقد جاءت نسبة تواتر البحور واستخدامها عند أبي نؤاس كما في الجدول رقم (1). 

وبالنظر إلى الجدول رقم (2) نستخلص ما يلي:

1)      المجموعة الأولى وتضم البسيط والطويل اللذان يحتلان المرتبة الأولى في استخدام الشاعر.

2)      المجموعة الثانية وتضم الكامل، والسريع، فالوافر.

3)      المجموعة الثالثة وتضم الرجز، فالرمل، فالخفيف.

4)      المجموعة الرابعة وتضم المنسرح، فالمجتث، فالمتقارب، فالهزج، فالمديد وأخيراً المقتضب.

وقبل أن نقارن بين الجدولين، نورد النسبة التي ذكرها إبراهيم أنيس لشعر أبي نؤاس وهي:

1- البسيط بنسبة 20%

2- الطويل بنسبة 17%

3- الكامل بنسبة 15%

4- الوافر بنسبة 13%

5- الرمل بنسبة 9%

6- المنسرح والسريع بنسبة 8%

7- الخفيف بنسبة 4%

8- الرجز بنسبة 3%

9- المجتث بنسبة 2%

10- المتقارب والمديد بنسبة 1% (11)

وبالمقارنة بين النسب الثلاث (12)، نرى أنَّ البسيط يتصدر البحور في ديوان أبي نؤاس برتبة واحدة. كما نلاحظ تقدم السريع بشكل ملحوظ في نسبتنا المعتمدة عن النسبة المعروفة في استخدام الشُّعراء لها. وقد جاءت في المجموعة الأولى. 

وكذلك الحال بالنسبة لبحر الرجز الذي تصدر فيه أبو نؤاس مكاناً مهماً من حيث استخدامه له، وتكثيف هذا الاستخدام من خلال القصائد والأراجيز، فجاءت نسبة استخدامه مرتفعة بنسبة 9%. وقد هبطت نسبة المنسرح عن الاستخدام المعروف لها... وبالتَّالي فالملاحظ، أنَّ حركة الشاعر كانت ضمن الإطار المعروف من البحور، فإذا ما حاول الكسر أو الخروج عنها كان ذلك من خلال التفاوت في الاستخدام فحسب، الأمر الذي يجعله ثائراً في البنية على البنية نفسها.

نلحظ هذا المفهوم من خلال النظر إلى الجدول العام. 

والملاحِظ لمظاهر استخدام الشاعر لبحور العروض، يرى أنَّ الشاعر استخدم من البحور الستة عشر، أربعة عشر بحراً، فقد خلا شعره من بحرين هما: المضارع والمتدارك، مما يعطي للشاعر إلماماً قوياً وإجادة عالية في بحور الشِّعر وعروضه؛ بل أنه حافظ في بناء شعره على استخدام بحور الخليل، دون اللجوء إلى البحور التي ظهرت بعده. وإنما عمدّ إلى البحور المهملة التي لم يرد فيها الشِّعر العربي القديم أو وردّ بقلة ونظم عليه الشاعر شعره. 

كما استخدم الشاعر مجزوءات بعض البحور (سبعة بحور من أصل أربعة عشر بحراً) وهم على التوالي: مجزوء الكامل، ومجزوء الوافر، ومجزوء البسيط، ومجزوء الرجز، ومجزوء الرمل، ومجزوء الخفيف، ومجزوء السريع، لتتيح له حرية أكبر في الاستخدام؛ على أن ذلك لا يمنعنا من الاعتراض على الرأي القائل، أنه اعتمد على البحور السهلة والقصيرة، وابتعد عن البحور الطويلة.(13) في حين أننا نرى العكس من خلال الجدول، إذ نلاحظ تمكِّنه وإجادته من استخدام كل من: بحر الطويل وبحر البسيط، وبحر الكامل في كل الأغراض وليست التقليدية منها فحسب، كالمديح أو الهجاء أو الرثاء، بل تعدّاها إلى الغرضين اللذين تميز بهما وهما: الخمر والغزل بنوعيه. ونرى أنه قصد هذا الاستعمال من أجل أن يعمق نظرته النُّواسية وقضيته التي برزت أكثر ما برزت في الشِّعر الخمري لديه، وهي قضية التجديد، ورفض القديم، مبرراً بذلك ثنائية ضدية في بنية القصيدة الخمرية لديه وهي:

الخمرة/ الطلل.

الحضارة/ القدم.

المدنية/ البداوة.

الحياة/ الموت.

أضف إلى ذلك أنَّ استعماله للبحر بتفعيلاته التامة، سوف تكفل له نفساً طويلاً، يعرض ما يريد أن يطرحه. ويبثُّ بنية القصيدة النُّواسية، والهاجس النُّواسي الفلسفي والاجتماعي. إنه لن يستطيع نقض بنية تغلغلت في نسيج حضارة هذه الأمة، ما لم يماثلها بذات البنية ويختلف معها في إطار النسق ذاته، مولداً الإجادة والتمكن في استخدامها من جهة، ثم البراعة في تطويع هذه البحور لخدمة أغراض الشاعر من جهة أخرى.

والمتتبع للأغراض سوف يلاحظ كيف أن الشاعر استخدم كل البحور لغرض الخمرة وقضيته التي يبثها عن طرق موضوعه الأثير، واستثنى بحري المديد والمقتضب فقط.

وأيضاً فقد شاهد الغزل هذا التنوع في استعمال الشاعر لكل البحور فيه ما عدا المديد. ولقد كان تناول الشاعر للأغراض الشِّعرية بنسب متفاوتة، نلحظها من خلال عدد الأبيات في كل غرض كما سنرى في الجدول رقم (3):

أي فقد جاءت نسبة تواتر هذه الأغراض في شعره عبر أربع مجموعات كالتالي:

1-      المجموعة الأولى: الخمر والغزل.

2-      المجموعة الثانية: المدح منفرداً.

3-      المجموعة الثالثة: الهجاء، والطرد.

4-      المجموعة الرابعة: الرثاء، والزهد، والعتاب.

وذلك وفق النسبة المبينة في الجدول رقم (4).

كما لعبت البحور دوراً مهماً في تكوين البنية الموسيقية للنص النُّواسي، كذلك فعلت القافية التي تعد ركيزة موسيقية ذات وقع في النفس، كما تنسب القصيدة لها. وقد تنوعت قوافي الشاعر واستخداماتها فكانت لديه القوافي المقيدة، كذلك القوافي المطلقة وبكافة أنواعها أي ذات المجرى المكسور مثل:

أنعت كلباً أهلهُ من كِدهِ

وكلُّ خير عندهم من عندهِ (14)

والمجرى المفتوح مثل:

يا قمر الليل إذا أظلما         هل يُنقص التسليم من سلمَا (15)

وذات المجرى المضموم مثل:

طوى الموتُ ما بيني وبين محمدٍ   وليس لما تطوي المنيةُ ناشرُ (16)

كما حفلت معظم طردياته بما يسمى بالروي المزدوج، وهو (يوفر للقارئ طاقة موسيقية فوق طاقة البحر؛ ذلك بأن من ينشد هذه الأراجيز ذات الروي المزدوج، لا يكاد ينتهي من شطر صغير يقف فيه على حرف الروي ويقطع عند الصوت حتى يفضي في نهاية الشطر التالي إلى حرف آخر مماثل لسابقه فيقف عنده تلك الوقفة وهكذا).(17)

ومن أمثلته على ذلك:

أنعتُ كلباً جالَ في رباطِه

جولَ مُصاب فرَّ مِن أسْعَاطه

يقمقم القائد في حِطَاطه (18) 

إلا أننا وللأسف لم نقم بإحصائية حول القافية لضيق الدراسة وعدم توسعها.

وكذلك عرِّف بخروجه عن القافية الواحدة إلى القوافي المتعددة في أراجيزه ومسمطاته، فقد ذكرت له مسمَّطة رباعية وهي:

سلاف دنِّ/ كشمس دجن/ كدمع جفن كخمر عدن (19) 

وأنشد له الدُّميدي مخمسة منها قوله: (20)

يا ليلة قضـيـتـهـا حُــلــوهْ                مرتشفاً من ريقها قَهوهْ

تُسكِرُ من قد يبتغي سُكرهْ             ظننتها من طِيبِها لحظَهْ

يا ليت لا كان لها آخرُ 

كما اعتنى الشاعر بالإيقاع الداخلي للقصيدة وذلك عبر استخدامه لقواف داخلية كما في المثالين السابقين.

أو قوله: (21)

أعــدَدْتْ كــلباً لـلطِّرادِ سلطـَـا          مُقَـلــــداْ قـــلائِـداْ ومقطـَــــــــا

فهو النجيب والحسيب رَهطَا           تـرى لـه خـطـين: خُـطَّا خَـطَّا

أسـرع مـن قـول قــطاه قــطا            يكتال خزان الصحارى الرقطا 

وإذا كانت المقطوعة الثانية مثلت القوافي أو تناغم أصوات الحروف، إلا أنه أيضاً ولع بالجناس وخاصة الجناس الناقص الذي عرف بجناس الاشتقاق، مثل قوله:

(خطا/ خطا ــ قطاه/ قطا/ الرقطا)

فالجناس ما بين (تنزو ـ نزو)

وكذلك تعامل مع الطباق والمقابلة وأحدث بهما إيقاعاً دلالياً وموسيقياً بفعل الاختلاف الدلالي بينهما.

كقوله: (22)

الخَــمرُ تفــاحٌ جـرى ذائــباً   كذلك التفاحُ خَمرُ جَمِدْ

فأشربْ على جامد ذوب ذا  ولا تـدع لـذَّة يوم لغَـدْ

فنرى المقابلة بين شطري البيت الأول وكذلك نرى الطباق بين مفردتي (جامد/ ذائب ـ يوم/ غد)

أو كقوله: (23)

سخنت من شـدة الـبرودةِ حتى          صرت عندي كأنك النارُ

لا يعجب السامعون من صفتي           كــذلك الثـلج بــارد حار 

من ذلك نرى أن الشاعر حافظ على أوزان الخليل، حتى مع تصرفه في حركات تواتر البحور وإنما في رأينا إنما جاء للنص النُّواسي من حيوية وتجديد وابتكار، هذه الثقافة العالية بمفاتن الإيقاع الداخلي للقصيدة، وتكثيف هذا الإيقاع بضروب مختلفة وقد استفادت من ذلك معظم النّصّوص النُّواسية في كافة الأغراض الشِّعرية.

 

الفصل الثاني

الصُّورة الشِّعرية للنّصّ النُّواسي 

لعبد القادر القط في وصف الصُّورة الشِّعرية وفق منطوقها الحديث:(24)

(إنّ الصُّورة في الشِّعر هي "الشكل الفني" الذي تتخذه الألفاظ والعبارات بعد أنْ ينظمها الشاعر في سياق بياني خاص، ليعبر عن جانب من جوانب التجربة الشِّعرية الكاملة في القصيدة، مستخدماً طاقات اللّغة، وإمكاناتها في الدلالة والتركيب، والإيقاع والحقيقة والمجاز، والترادف، والتضاد، والمقابلة، والتجانس، وغيرها من وسائل التعبير الفني. والألفاظ والعبارات هما مادة الشاعر الأولى التي يصوغ منها ذلك الشكل الفني أو يرسم بها صوره الشِّعرية). 

وبهذا المفهوم للصورة الشِّعرية سوف نتعدى الصُّورة الجزئية البيانية عند القدماء، كالتشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز؛ بل سوف نتخطاها إلى دمج الإيقاع كصورة موسيقية، واللّغة كصورة لغوية؛ ثم الصُّورة البلاغية البيانية، وهذا مفهوم أشمل وأعّم للشكل الفني للقصيدة ولأن هذا البحث إنما يلامس بعض تجليات الأسلوب في القصيدة فهو سيتلمس بعض الصور الجزئية كالتشبيه والاستعارة والكناية. 

أولا: التشبيه:

لقد افتتن العرب بالتشبيه، وغالوا في جعله مقياساً للبلاغة العربية. كما يرى مصطفى ناصف(25)، بل أنّهم أهملوا الاستعارة، وإذا شرحت تشرح وفق قضية التشابه، وضمن فرع من أفرع التشبيه؛ وربما ذلك يكون مناسباً لحيز التفكير الحسي للأشياء، والذي يجعل السامع/ القارئ يصر على إيجاد علاقة ما بين أركان التشبيه: المشبه والمشبه به، الأمر الذي لا تستطيع الاستعارة القيام به.

وأنواع التشبيه وأركانه معروفة لدينا من تشبيه مرسل إلى ضمني، فتشبيه تمثيلي. 

ولقد اعتمد الشاعر التشبيه في شعره بشكل كبير، بل واتخذ من التشبيه التام سمة لأغلب أشعاره مما يوحي بتساوي مرتبة المشبه والمشبه به من ناحية، وإظهار الصفات ووضوحها من ناحية أخرى، كما مالَّ إلى التشبيه التمثيلي في المرتبة الثّانية لما يحمله من سعة في التَّخييل ورسم الصُّورة المشهدية. أما بقية أنواع التشبيه فقد تنوعت في قصائده ولكن ليست بالشكل المكثف.

ولقد اعتمد في تشبيهاته على (كأن) كأداة لما تحمل من طاقة التخييل واستخدمها في التشبيه المفرد، والتشبيه التمثيلي، ثم تبعتها (الكاف) في الترتيب وبعدهما بقية الأدوات الأخرى، من ذلك قوله باستخدام الكاف وهو يدعو لتوسيع زمن الشرب وامتداده:

  بادر صَبَاحَك بالصَّبوحِ ولا تَكنْ      كموسفين غدوا عليك شِحَاحَا (26)

وقوله في وصف الفتية:

في فتيةٍ كالسيوفِ هزهُمْ       شرخُ الشباب وزانَهم أدبُ (27)

وقوله في الخمرة:

جاءت كروح لم يقمْ جوهرُ     لُطفاُ به أو يحَصه نورُ (28)

وأيضاً فيها:

أبقيت فيّ لتقوى الله باقيةً       ولم أكن كحريصٍ لم يدع مرحَا (29)

كذلك جاء في استخدامه لـ (كأن) قوله:

كــأن نــاراً بهــا محـرّشــةُ    نهـابهــا تارة ونغشاهــا (30)

كأن لها الدّهرُ من أبٍ خلفا  في حجرهِ صانَها وربَّاها

وقوله في وصف هيئة استقبال الشارب للخمرة وتشبيه الساقي:

تـمـدُّ بهــا إليـك يـدا غــلامٍ  أغـنُّ كـأنّه رشـأ ربيبُ (31)

وفي حذفه لوجه الشبه قوله:

سخنت من شدة البرودة حتى        صرت عندي كأنك النارُ (32) 

إلا أن خط التشبيه البليغ يبدو قليل نسبياً في شعره، وهو الذي بخلوه من وجه الشبه والأداة يجعل المطابقة الدلالية واضحة بين المشبه والمشبه به، من ذلك قوله في وصف الخمرة ونعتها:

هي القطبُ التي دارتْ عليه    رحى اللذات في الزمنِ القديمِ (33)

ثم دعوته للشرب منذ الصباح وامتداد زمن الشراب وتوسيعه:

هــذا قنــاعُ الليلِ محـشــورٌ فاشربْ فـقــد لاحَ التَبــاشـــيرُ (34)

من أساليبه في التشبيه التمثيلي الذي يعتمد على العمق في بناء وجه الشبه والذي ينتزع من متعدد قوله:

شـكّ البزالُ فؤادَها؛ فكأنما  أهــدت إليـكَ بريحـــها تُفاحَـــا (35)

وقوله:

تَرمي به كلَ ليلٍ كأن كَلكلَه مثل الفلاةِ إذا ما فوقَها جَنحَا (36)

ولقد كان حظ هذا النوع وافراً، ولقد توزع على الأغراض بشكل مختلف فلا تكاد تخلو القصيدة النُّواسية منه مما أعطى رصيداً أعمقاً للصورة التشبيهية لديه. 

كما جاء التشبيه الضمني والذي يعدّ من أبرز مظاهر التشبيه تفنناً لأنه (لا يتقيد بعناصر معينة ولا بترتيب فيها خاص ولا بروبط محدودة، ومن ثم هولا يحدّد الصلة بين الطرفين، والدليل فيه على إمكانية التقريب بين الطرفين، هو السياق).(37)

وعادة ما يخرج هنا التشبيه في لغة العرب مخرج الحكم مستقلة التراكيب وأيضاً هناك ما يسمى بالتشبيه الضمني التصويري وهو الذي لا يجري مجرى الحكمة كما أنه لا يقع في البليغ أو المفرد، وقد تعرض الشاعر لهذا النوع من التشبيه.

وفي مدحه للأمين قوله: (38)

يجلُّ عن التشبيه جودُ محمدٍ          إذا مرحت كفاه بالهطــلانِ

يَغُبكَ معروفُ السماءِ وكفّـه             تجودُ بسحِ العرفِ كلَ أوانِ 

وله في الخمرة يصفها بالجمان واللؤلؤ كما يصف الفقاقيع المتصاعدة من الخمرة: (39)

صفـــراءَ ســلكُ جَمانِها لؤلؤٌ ألفـــاتُ كـــاتب ســيد الفـرسِ

ترْمي الحـــبابَ بمثله صعََِّداً دقَّت مســـــالكُها عن الحِـــسِ 

ثم يصف منظرها في الكأس:

حمراءُ، علَّفها بالماء شاربُها        تفتضُّ عذرتُها في بطنِ رحراح (40) 

ينتهي بنا الأمر إلى أن الصُّورة التشبيهية على اختلاف نوعها باتت أداة طيعة في يد الشاعر؛ يعرض من خلالها ثقافته العربية حيث نرى أن بعض التشبيهات ذات صيغ جاهزة ممن سبقوه، أو أنها اقتبست الألفاظ القديمة التي تمتاز بالقوة والجزالة، والجانب الآخر هي التشبيهات، التي اعتمدت ثقافة عصره، وباتت الصُّورة تحمل الخفة والدعابة والحيوية إلى جانب معاني وموضوعات عصره التي انشغل بها. 

ثانياً: الاستعارة:

عُرِّفَت الاستعارة على أنها (لون من ألوان التعبير المجازي يقوم على استعارة لفظة تؤدي معنى لفظة أخرى أو استعارة صفة أو أكثر من الصفات التي عرف بها شيء لشيء آخر ليست هذه الصفات من طبيعته).(41)

وهذا التعريف سوف يحدد الملمح الرئيسي للاستعارة وهو عملية المباغتة في نفس القارئ إذ أن هذه المفردة ليست في مكانها، مما يعني أنها ستخلق إيحاءات ودلالات وصفات جديدة للمجال المستعارة له، من خلال التشخيص والتجسيم والذي يمتاز بـ (قدرة على التكثيف والاقتصاد أو الإيجاز).(42) وعليه يُعرَّف مفهوم العدول في تراثنا البلاغي أو الإنزياح في مفهوم المنهج الأسلوبي الحديث. 

ورغم هذه الأهمية إلا أن البلاغيين القدماء اهتموا بالتشبيه وتركوا الاستعارة لبعد العلاقة بين طرفي التشبيه فيها.

والحق أن الاستعارة قد عرفت طريقها للنص النُّواسي من أوسع الأبواب لديه وأغناها، باب الخمر، وهو الغرض الذي جعل فيه جلَّ مذهبه الفلسفي، والحياتي، فكانت الصُّورة الخمرية لا تكتفي بوصف الخمرة فقط، بل تحيلنا على أوصاف الخمرة، ومعانيها، وأماكنها، وسماتها ورائحتها، وآنيتها وبائعها وساقيها، وشاربها، ثم مجلسها كل ذلك ليخرجنا إلى ما يريده من إثبات الخلاصة لحياة عصره حيث التحضر والتمدن، ورفضه للبداوة وجعلها سلوكاً معاشاً لا يتناسب وواقع الحياة المعاصرة. 

من ذلك قوله:

أما ترى الشمس حلَّت الحَمِّـلا         وقــام وزنُ الرُّمـــانِ فاعتَدلا

وغــنتُ الطــيرُ بعــد عجَمتَهـا           واستوفت الخمرُ حولهَا كملا

واكتسَت الأرضَ من زخارفِها            وشي نبـــاتٍ تخَـــاله حُـــلَلاَ

  فاشرب على جدّ الزمانِ فقَـــدْ       أصبح وجهُ الزمانِ مُقتَبلا (43)

فنرى الاستعارة واضحة في قوله (قام وزن الزمان)، و(غنت الطير بعد عجمتها)، فـ (اكتست الأرض)، فـ (أصبح وجه الزمان مقتبلا)، وكلها تشير إلى التجسيد والتشخيص، إلا أنك أيضاً ترى فيها الجدة في بعضها، والمألوف في البعض الآخر. 

فالاستعارة المكثفة هنا إنما أراد بها خلق رمزية جديدة تتمثل في الدعوة لكل ما هو جميل في الحياة والاستمتاع به دون القصور على ما دُرس وقدم، وهذا بالضبط ما يصرح به في قوله:

فعـــلام تذهــــلُ عن مـشعـشعة   وتهيم في طللٍ وفي رسْــــمِ (44)

ويجعل الخمرة رمزاً تتحرك فيه دعوته الصريحة على عشق الحياة واستعمال ملذاتها:

ركبتُ غوايتي وتركتُ رشدي      وكفُ الجهلِ مطلقةٌ عنانِي (45)

هذا البيت يعطي بعداً ثنائياً على إثر غناه بالترادف الاستعاري:

ركبت غوايتي/ تركت رشدي

إصرار على المغايرة باللذات والغواية/ الإصرار على ترك العقل والتبعية لثقافة القدماء. والواسطة لهذا الإصرار الاستعارة المكنية الأخرى (كف الجهل) والتي نراها تعني البعد والجهل بكل ما يبعده عن ملذاته وعزيمته، وعليه نرى أن الاستعارة أزاحت الشحنات الإيجابية من الألفاظ الأصلية مثل (الرشد + _ ) و(المعرفة + _ ) إلى الألفاظ المستعارة لدى الشاعر، المعبرة عنه إيجابيا:(الغواية _+ / الجهل _+).

وقد تنوعت الاستعارة لديه في هذا الغرض، فخرجت إلى المنحى القصصي، والحواري، والتي جاءت لتعطي للخمرة سمات الشكل البطولي، بتشخيص الخمرة وفرض صفات لها تجعلها في محورية خطاب النّصّ النُّواسي من ذلك قوله وهو يعقد حواراً مع الخمرة ليبين قدمها وعتقها:

فقلت لها: "يا خمرُ كم لك حجــةً؟"         فقالت: "سكنتُ الدنَّ دهراً من الدهر"

فقلت لها: "كسرى حواكِ؟" فَعبَّستْ         وقالت: "لقـــد قصَّــرتَ في الصَّــبرِ"

    سمعتُ بذي القرنين قبلَ خروجــــهِ         وأدركتُ موسى قبلَ صاحبه الخضرِ" (46)

وكذلك حينما ينسج القصص حول سيره إلى الخمارة وقصده لها، وصفات البائع والساقي، وحواره معهم وكل الاستعارات حينها تعطينا صورة حية، وصادقة لحياة الشاعر وبيئته، ثم رؤيته إلى كل أطراف هذه الحياة ونظرته فيهم.

كما قام باستعارة، الصور والتعابير، والألفاظ من غرض ما إلى غرض آخر. كان ذلك واضحاَ في الغزل المذكر، الذي نقل به كل ما يحيط بالمرأة وتصور به من تعابير وأخيلة، الحسية منه والنفسية. ونعني بالصور الحسية تلك التي تتعلق بجسد المرآة وأجزائه (47)، وأماكن اللذة فيها بقوله:

لـينّ القــد لـذيـذ المعتـنـــق    يـشـبه البجر إذا البدر اتسق

مثقلُ الردف إذا ولى حكى     موثقاً بالقيد يمشي في زلـق

وإذا أقـبــل كـــادت أعـينّ        نحــوه، تجـرح فيه الحـدق 

بل إنه يماهي ذات المشبه/ الغلام، بالمشبه به/ الفتاة، بحيث تبدو التماثلية والمطابقة كبيرة، وحينها يقلب الوضع للرائي، ويحيل الفتاة بأنها هي التي تشبه الغلام في جمالها، فحين يريد أن يشبه الفتاة الجميلة التي تأسره بالجمال:

غلامٌ وإلا، فالغلامُ شبيهها      وريحان دنيا لذة للمعانقِ (48)

أما الجانب النفسي، فشعره كثير في هجر غلمانه له وولعه بهم، وفي صدهم وهجرانهم له وفي استمالته لهم.

أما بالنسبة لغرض الخمرة، فقد استعار لها معجم الألفاظ والصور التي هي لغرض الغزل، والأغراض الأخرى، فهو المحبوبة المعشوقة وهي الأنثى بوجهها المشع والمضيء، وهي التي توصل وتهجر، وتعطي، ولها من الصفات ما تتصل بجانب التقديس؛ بل واستعار لها من المفردات الدينية الشيء الكثير مما جعله متفرداً في هذا المجال، لا أكثر من شعره فيها، بل بما حملَّها من أبعاد إنسانية وفلسفية وثقافية ثم شعرية في المقام الأول. 

ولم يقف الشاعر في اعتنائه بالاستعارة على الصُّورة الخمرية فحسب، بل أيضاً جاء بها في الأغراض الأخرى، وإن جاءت بقلة، خاصة في باب الطّرد، على حين كان الزهد والرثاء تعلو الاستعارة فيهما من حيث الشِّيوع. وهذا فقط بالمتابعة لا الرصد الإحصائي لتعذره في هذا البحث القصير.

من ذلك قوله:

طوى الموتُ ما بيني وبينَ محمدٍ     وليس لمـا تَطوى المنيةُ ناشرُ

لئن عُمرت دورٌ بمن لا أحبهــــم     فقد عُمرت ممن أحبُ المقابرُ (49)

وقوله في الممدوح حيث شبه السِّحاب في حالة خجل من ذاتها لأنها أقل عطاء من يد الممدوح:

إن السحابَ لتستحي إذا نَظَرتْ         إلى نَـــداهُ فَقاسَتهُ بمـــا فيهَـــــا (50)

فالملاحظ لاستعارات الشاعر اعتماده على العقلية والمحسوسة أكثر، لكنها في الوقت ذاته تؤثر في السامع لخفة حركة الاستعارة لديه. وقد ابتدع في بعضها خاصة في الخمريات، وسار في بعضها على منهج القدماء، وذلك في الأغراض الشِّعرية الأخرى. 

ثالثاً: الكناية:

تعرف الكناية على أنها (ضرب من البيان لطيف الإشارة حسن الدلالة يتطلب من القارئ أن يتجاوز معنى اللفظ المباشر إلى لازم معناه، وفي الانتقال من الملزوم إلى اللازم حركة عقلية لطيفة، تستمتع بها النفس ويرتاح لها الذهن وتبرز بها الصُّورة وتؤدي المعاني).(51) 

إن شمولية الكناية وفق التعريف السابق أعطى للشاعر مجالاً كبيراً لعرض آرائه وفلسفته في الحياة، فوظف الكناية أيما توظيف، من ذلك قوله:

 فهذا العيشُ لا خيمُ البوادي            وهذا العيشُ لا اللبنُ الحليبُ

   فأين البدو من أيوان كسرى          وأين من الميادين الزروبُ؟ (52)

غَرَرتِ بتوبتي ولجَجتِ فيها  فشقَّي اليومَ جيبكِ لا أتــوبُ

فنرى الكناية هنا وقد حملت فكر الشاعر ومذهبه في الحياة ضمن ثنائية ضدية بين:

حياة الرفاهية (سمة عصره)/ حياة البداوة

ليونة العيش/ غلظة العيش

الحضارة العربية الممتزجة بحضارة فارس/ حياة الأعراب الجافة 

لتأتي الكناية الأخيرة والتي تحمل سخرية أبي نؤاس من العاذلة له (شقي الجيب/ لا أتوب) وفيها الإصرار على رفض التوبة، أي العودة إلى حياة البداوة والأعراب والبعد عن حياة التمدن بكل مظاهرها.

وأيضاً له في المجاهرة بالفعل والإصرار عليه:

أعاذلُّ بعتُ الجهل حيث يُباعُ      وأَبرزتُ رأسي ما عليه قنــاعُ (53)

وهو يكني الساقي بقوله:

مُنقــطعِ الرَدفِ هضيمُ الحشـا     أحـــــورٌ في عينيــهِ تَفــتــــيرُ (54)

وهو يكني عن صلابة الخمر وشدتها بقوله:

ربيبة خدرٍ رافها الخدرُ أعصرا        فكانت له قلباً وكان لها صدرا (55)

وله في الكناية عن نسبة الكرم والجود لمكان الممدوح قوله:

تُمسِي المكارمُ حيث يمسي رحلهُ  وإذا غَـــدا في منزل أغداهــا (56)

وله في غرض الهجاء والذي لعبت فيه الكناية دوراً بارزاً واضحاً في شعره، ففي هجوه للبخيل والبخلاء.

رأيتُ قدورَ الناسِ سوداً من الصَّلى  وقدر الرُّقا شيين زهراءُ كالبدرِ (57)

وتبدو روح النكتة والسخرية المعروفة عنه واضحة حيث صورة القدر التي جاءت زاهية ومشعة فهي معنية كالبدر مما يعني حملها لدلالة إيجابية بينما حمّلها الشاعر دلالة سلبية وهي البخل.

وله أيضاً في بخل الرقاشيين قوله:

أمات اللهَ من جوعِ رقاشَا      فلولا الجوعُ ما ماتت رقاشُ

ولو شممت موتاهم رغيفاً  وقد سكنوا القبورَ إذا لعاشَوا (58)

فهو يرسم بكناياته صورة كاريكاتيرية ساخرة، جاعلاً الموت وسيلة عقاب الله لبخل الرقاش، ثم استخدامه للجمع/ موتاهم تدل على أن صفة البخل متأصلة فيهم وذلك أن السبب الوحيد لموت أفراد القبيلة هو الجوع فقط.

وقد لعب بهذه الروح الساخرة في صوره الهجائية، والتي كما يروى عنه كان يتلاقفها العامة قبل الخاصة وتطير في البلدان.

ولم يخل أي غرض من الكناية باختلافاتها ففي غرض العتاب قوله معاتباً من لهم الأمر ويبخلون عليه بقضاء حاجته:

أُريدُ قطعةَ قرطاسٍ فتعجزني      وجُلّ صحبي أصحابُ القراطِيسِ (59) 

وله في وصفه لصفة التبكير من أجل الصيد وهو في باب الطرد:

قد أغتدي والطيرَ في مثواتِهـــا     لــم تعرب الأفــــواهُ عن لغاتِهـا (60)

كما كنى عن نشاط الفرس واندفاعه في الجري:

قائـــــده من أرن يشـقــى بــــه  فـسـدد الطرق ومـــــا هاها بـــه (61) 

والخلاصة نرى أن الكناية لعبت دوراً في النّصّ النُّواسي بل وكثر استخدامه لها، فهي تعطيه بعداً رمزياً بصورة أوسع من الصور الأخرى، إذ تجعله يضّمن ما يريده من قيم فكرية واجتماعية دون تفصيلات دلالية وتركيبية، وبهذا فالكناية أقدر الصور على احتضان الثقافة والمثل، وهي أقرب إلى النفس من حيث البساطة والتجريد. 

رابعاً: جاهزية الصور في النّصّ النُّواسي:

لن تجد شاعراً إلا وتتقاسمه حركتان: الرصيد الثقافي الذي استمده من تراثه ودراسته، والحس الإيقاعي، وكذلك كان أبو نؤاس مثالاً صادقاً على ذلك. إذ نراه يعمد إلى التأثر بسابقيه أو الأخذ منهم، ثم يميل إلى الابتكار والجدة في الناحية الأخرى، وأمور الجدة والابتكار وتأثيره على من جاء بعده، يستحق عناية ودراسة منفصلة لا يتسع لها بحثنا المتواضع، بل لعله يعطي بما سوف يدرسه من خصائص أسلوبية للنص النُّواسي أفقاً جديداً للدارسين فيه، ولكن عرضنا للتعابير والصور الجاهزة في شعره، لا يعدو كونه لمحة تاريخية لما عرض عنه في مختلف كتب النقد التي تناولته، لما فيه من أهمية لدراسة النّصّ النُّواسي، ففي قوله:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ           وداوني بالتي كانت هي الداءُ

قول المجنون:

تـــداويتُ من ليلى بليلى وحبَّهــا       كما يَتداوى شاربُ الخمرِ بالخمرِ

أو قول الأعشى:

وكــــأسٌ شربتُ على لـــــــذَّةٍ            وأخـــرى تـــــداويتُ منهــا (63)

أو قوله في مدح الخصيب:

فتًّى يشتري حُسنَّ الثَّناء بمالِـه        ويعــــلمُ أن الدائراتَ تــــــــدورُ

وللأبيرد بن المعذر قوله:

فتًّى يعتري حُسنَّ الثَّناء بمالِــه  ألسنة الشَهباءَ أعوزَهـــــا القطرُ (64)

وكذلك وصفه للخمرة بعين الديك في قوله:

وكأسٌ كعينِ الديكِ باكرتُ حدَّها     بفتيانِ صدقٍ والنَّواقيسُ تُضرَبُ

وللهذلي قوله:

وما إن فضلةً من أذرعاتٍ    كعين الديكِ أحصنها الصّدوحُ

ويصف لقاءه بمحبوبته إذ يقول:

بنفسي إذا ما النـــــا   يُ   عن عينيى واراهُ

كفاني أن جنحَ الليــ    ل    يغشاني ويغشَــاهُ 

وللمجنون قوله في لقائه بليلى: (65)

أليس الليلُ يجمعني وليــلى     كفَـــاكَ به وذاكَ لنا تــــدانِ

ترى وضحَ النهار كما أراهُ           ويعلوها الظلامُ كما علاني

ولقد ولّد من الصِّور القديمة صوراً جديدة، مازج فيها بين ثقافتين هما ثقافية عصره وثقافة من سبقوه. كما استخدم الصور والتشبيهات السهلة والمائلة إلى اللّغة الشَّعبية وقوله (شقي جيبك)، (شمرت أثوابي). إذ نرى كيف أن الصُّورة مالت إلى البساطة والسهولة فهي أقرب إلى اللّغة الإعتيادية.

من ذلك كله نرى أن الشاعر أدرك أهمية التنوع بين مختلف أصناف الصور البلاغية، ومازج بينهم في شعره، وإن غلبت الاستعارة في غرض، فقد خلت في غرض آخر وهكذا، ولقد احتفل بالصّور فأخرجها من الجمود إلى الحركة والتشخيص، فكانت مثالاً صادقاً على بلاغته وثقافته.

الفصل الثالث

الصُّورة اللّغوية في النّصّ النُّواسي 

إن اللّغة ليست مجرد ألفاظ صوتية ذات دلالات صرفية أو نحوية أو معجمية ـ فحسب ـ وإنما هي تجسيم حي للوجود وهي وحدة عاطفية، تكتسي ما يمكن أن يسمى بالصُّورة اللّغوية الداخلية، يخترعُ فيها الكلمات ويُبدع الصّور، ويتلاعبُ بمعاني الألفاظ ويوسع نطاقها. الأمر الذي يجعلها تضم الإطار العام للقصيدة من حيث الصور الشِّعرية الموسيقية والألفاظ للشاعر.(66)

ولقد سهر القوم على شوارد النّصّ النُّواسي قديمه وجديده، وكيف لا، وقد عبَّ من الألفاظ أجزلها، وأوحشها، وأغربها في اللّغة. ومكَّن لسانه منها وجعلها أداة طيعة له، خاصة في المدح والطّرد، والهجاء، ثم هاهو يستعذب اللفظة السهلة والمتداولة ويخرج بها من نطاق المألوف والمتداول إلى النطاق الشِّعري، فيسلك مسلكاً للغة في قربها من لغة الحياة اليومية، أو يتجه بنا إلى خلق ألفاظ وصور جديدة ومبتكرة له. 

أولاً: من حيث إتيانه بالألفاظ غير العربية:

يؤكد على ذلك العربي درويش بقوله: (إن أبا نؤاس وعامة من عاصره من الشُّعراء لم يفرقوا بين ألفاظ شعرية وألفاظ غير شعرية، بل أمعنوا في استعمال اللّغة بدون هذا التمييز؛ فإن أعوزتهم لفظة أو أكثر من علم، أو غيره أدخلوها في شعرهم وإن لم يجدوا الكلمة العربية عمدوا إلى الفارسية أو غيرها).(67) 

فمن الألفاظ غير العربية قوله في الهجاء:

إذا قابل بالنصف/ من الجردق نصفا

يلصقُ النصفَ بنصفِ            فإذا قــــــد صار ألفَـــــــا (68)

والجردق هو الرغيف باللّغة الفارسية. 

ومن الألفاظ الفارسية قوله:

معقربُ الصُّدغِ ملبوس عوارضهُ     جلبابُ خزّ عليه النور مقطوفُ (69) 

كما كانت له مقطوعة لم يترك فيها من دين النصارى ملمحاً إلا وذكره فيها منها قوله:

بمعموديّة الدِّين العتـــيقِ                بمطر بليطِها، لجــــــا ثليــقِ

بشمعونِ، بيوحنّا، بمتّى،               بماري سرجسَ القّسَ الشفيقِ

وقد استخدم أيضاً الأمثال الفارسية كقوله:

كقولِ كسرى فيمــا تمثلـــــهُ       من فرصِ اللصِ ضجةُ السوقِ (70)

وعليه نرى هذا التمثل لمختلف الثقافات إنما جاءت كردة فعل حتمية؛ بسبب تمازج هذه الثقافات داخل بنية المجتمع ولحمته. 

ثانياً: من حيث استخدامه للألفاظ العامة والشَّعبية:

لقد وعى الشاعر للألفاظ، وأنه ليس هناك ألفاظ يصرف عنها الشِّعر، بل على العكس، هناك الألفاظ التي تعد بكراً في الاستعمال الشِّعري، يستطيع الشاعر شحنُها شعرياً وانفعالياً، فتنتج ألفاظاً ذات بعد دلالي، وصوري جديد، ولهذا عمد الشّاعر إلى اللّغة العامة أو الألفاظ الشَّعبية. 

فهو إذ يخاطب المحبوبة بألفاظ مقتربة من لغة الحياة العامة، سهلة الاستعمال مما يقرب صلته بالمحبوبة وكذلك قوله:

وأرى للعودِ زهوا    حين تحويه يَداها

هي هَمي ومنـائي           ليتني كنتُ فدِاهـا (71)

ثم استخدامه للفظة دارجة (نور عيني) في قوله:

فيا نورَ عيني لو كَففتِ من البُكا   وناديتِ منْ أبكاكِ قامَ من القبرِ (72)

ورغم أنها لفظة اعتاد العامة التغزل بها، لكنها في إطار هذا التركيب أعطيت أبعاداً شعرية، ونفسية أكبر، فمخاطبته للمحبوبة بالتوقف عن البكاء ودعوته لها ولوصلها؛ سوف يحيّه بعد أن أماته الهجر، والصَّد وقبل كل ذلك كان الخطاب الحميمي بـ (نور عيني). 

كما شاع في تغزِّله شكل الرسائل، التي عادة ما تكون واضحة المعاني وسهلة الألفاظ والتعابير، ولقد شاع الغزل بهذه الطريقة في المجتمع، وحواره مع جنان وعنان كثير في شعره.

ولننظر إلى قوله:

يا قمر الليل إذا أظلما         هل ينقص التسليم من سلما (73) 

وهذا التشبيه والتغزل بالمحبوبة إنما جاء على المألوف عند الناس من وصف وجه المحبوبة بالقمر، بل أنه أمعن في تأكيده بـ (إذا أظلما) مما يعطي للبيب سهولة وغنائية.

على حين يصف وجه جنان بالتالي:

وجه جنان سراة بستان        مجتمع فيه كل ريحــــان

مبذولة للعين زهرتــــه          ممنوعة من أنامل الجان (74) 

ورغم سهولة هذا الكلام إلا أن تركيبته باتت مبهرة للقارئ، فالمعنى يسير في تشبيهه لها بالسراة لكنه حينما جسَّم وجسَّد هذه الزهرة التي تبذل للرائي جمال حسنها، لتقابل بالصَّد والمنع من يحاول قطفها أو سرقتها.

وعليه فإن استخدام الشاعر لهذا الأسلوب الذي يمتاز بالبساطة لا في الشكل فقط بل حتى في التراكيب أيضاً فقد أورد د.هدّارة استخدام المولدون لمفردة (راس) بدلاً من (رأس) أي مع حذف الهمزة كقوله: (75)

وحياة راسك لا أعودُ          لمِثلها وحياة راسك

وكذلك لفظة (قراه) بدلاً من (قرأه) كقوله:

كلّما خـــــــــطَّ          أبا جاد قراهُ فمحاهُ 

كما واستخدم لفظاً مولد (باس ـ يبوس) بمعنى قبل في قوله:

ولو علمنا أنَّه هكذا            كنا إذا بُسْنَا مسحنَاها

وكما استخدم اللفظة الشعبية استخدم المثل الشعبي ووظفه في شعره أيضاً، من ذلك قوله:

ومن غاب عن العينِ          فقد غابَ عن القلبِ

ومن هنا نرى كيف أن هذه اللغة قد مكنت الشاعر من إبراز شعبيته أكثر في نفوس سامعيه وطالبي شعره وأخباره التي اختلطت بين جده وهزله. 

ثالثاً: من حيث المعجم الشِّعري:

من كل ما سبق نلحظ أن اللفظة كما يقول العربي درويش عند أبي نؤاس (ناضجة منتقاة، مدروسة تجمعها والمعنى أواصر الفن وروابط الإيحاء، ولئن حرص أبو نؤاس أن يعكس صورة العصر من خلال ألفاظه عن طريق دلالاتها أو تزيينها بضروب البديع، فإنها ظلت من التماسك وقوة الطبع ما جعلها تبلغ الذروة في التعبير الشِّعري)(76)

وعليه فإن غنى المعجم الشِّعري للشاعر بتوسع صوره وألفاظه وتراكيبه التي قد عرضنا بعضها أضف إلى أنه أغنى المعجم الخمري للشعر العربي خاصة، وكذلك الغزل بالمذكر (الغلاميات).

ففي الخمرة أسهب في أوصاف الخمرة ونعوتَها، وذكرها بما سبقوه الآخرون، والإضافة عليه فقد شبهها بالنجيع والدم كقوله:

كدم الجوف إذا ما ذاقها           شاربٌ قطَّب منعما وعبَّس 

كما شبهها بـ (الياقوته وعين الديك والورد والجلُّنار) وبالصفراء والحمراء والصهباء، والزرقاء، وبالذهبية وبالحصباء وبالقهوة و...الخ (77)

وأيضاً جاء بطريقة تخميرها وبأدواته في قوله:

وجرَّ زقّا كأنّه رجلٌ  مفصَّلُ الساعدين من حام

فكان الزق وهو عبارة عن جلد الغنم وقد خزن فيه الشراب وكذلك الجرار وهي مصنوعة من الفخار.

أضف إلى ذلك ذكره لأسماء آلة الشراب فهي تشرب إما في الراووق أو الناجود أو الدوارق أو الأباريق وغيرها من الأسماء كثير.(78) 

وكذلك جاء بآلة الطرب ومجلس الشراب، والندماء والقيان، والساقي، الذي يدخلنا إلى الباب الآخر، وهو الغلاميات، التي حمل لها كما قلنا أوصاف المحبوبة الأنثى سواء الألفاظ الحسية أو الصّور والتعابير الذهنية من ذلك قوله: (79)

يا أيها الرّيم الذي صادني    بمقلـــــة في اللــحظ حوراء

وحاجب كالنون قد نمـقت   فوق حجاج العين زجَّـــــاء

ومحجر أنور من فـــضة                    مجــــلوَّة بالصقل بيضــــاء

وعارض أظهر تشبيكـــه                  كروضة الفردوس خضراء 

ولقد أبرز هذه الظاهرة التي سادت في مجتمعه بشكل مكثف وصريح.

على أن ذلك لا يعني أن معجم الشاعر قد خلا من الألفاظ الغريبة والجزلة، فقد أكثر منها في شعره وخاصة في المديح والهجاء والطرد بل ومعظم أشعاره حتى الغزل منها. من ذلك قوله:

أنعتُ كلباً جالَ في رباطَه

جولُ مصاب فرَّ من أسعاطَه

يقممُ القائدَ في حِطاطة

وقدّه البيداءَ في اعتباطَه

لما رأى الملهبَ في أقواطَه (80)

ولقد افتتح مقدماته بمقدمات تكاد تكون ثابتة التركيب النحوي والمعجمي، وهي تماثل من سبقوه خاصة أمرىء القيس مثل (قد أغتدي والطير في مثواتها)، أو (قد أغتدي والليل في اعتكاره)، أو قد يفتتحها بلفظة (رب)، وتسبق بـ (يا) أو تتبع بـ (ما) كقوله (يا رب بيت بقضاء سبب) (ربُّما أغدو ومعي كاسي). وأخيراً قد يفتحها بـ (لمّا) الحينية لقوله (لمّا غدا الثعلب من وجاره).

أضف إلى ذلك ولعه بالمحسنات البديعية كالجناس والمقابلة والطباق وائتلاف الحروف ومخارجها وغير ذلك مما سبق ذكره، ولقد عبر بروكلمان عنه بقوله: (لم يكن أبو نؤاس فقط من كبار الشُّعراء الذين حذقوا الصناعة اللفظية وفن التعبير، بل كان شاعراً متبوعاً، يعرف كيف يصوغ أحاسيس الغناء الصادقة، وعواطف الشعور الرقيق. الأمر الذي يسلمنا إلى المقدرة اللّغوية الفائقة عند الشاعر، والتي تعامل معها بوعي وبرصانة، حتى في خروجه عن المألوف استعمالاً وتركيباً، وهذا الغنى في المعجم الشِّعري لم يسقط الشاعر في إغواء الألفاظ والإسراف في تبسيطها أو التعقيد إلا حينما نراه يبرهن مقدرته اللّغوية للمتشككين في شاعريته).(81) 

الخاتمة

كنا في المقدمة أوقفنا هذا البحث على إشكالية الاختلاف في شخصية النُّواسي وشعره، وقد تتبعناها من زاوية أسلوبية، عبر مستويات الصُّورة لديه.

فكان لهذا البحث المتواضع أن يقف على عدّة أمور ميزت النّصّ النُّواسي، وأكسبته ميزة الجدّة والابتكار في بنية النّصّ لديه. إن شعرية أبا نؤاس لا تكمن في صدق الإجادة الشِّعرية والإحاطة بالصُّورة واللغة فقط، بل في كونها قد اكتست بهذه المصداقية الشِّعرية حياته أيضاً وانتفت الفواصل في الجدّة والحداثة بين شعره وحياته. فكان مصدراً لتوليد أفكاره ونظرة مجتمعه وما يؤمن به من مسلك في الحياة، عبر خطوط صوره الموسيقية والبلاغية، واللٍّغوية، والأمر الذي يجعل من هذا النّصّ، نصاً ذا أبعاد وملامح إنسانية كبرى. 

إن هذه الخصوصية الشِّعرية، والحياتية لأبي نؤاس، قد مكنته من أن يكون نصه نصاً متجلياً فيه سمة الحرية في العطاء والاستكشاف بكل أبعادهما المادية من حيث الفكر الثقافي والاجتماعي والفلسفي، وأيضاً المعنوية من حيث البنى التصويرية للقصيدة. وإذا شاء للنقاد أن يجعلوا من الخمرة معشوقته الأولى، فإننا نرى أن الحرية بكل أبعادها والدعوة لها من خلال مجاهرته بسلوكياته المختلفة، هي معشوقته التي كان يطمح أن تكون معشوقة مجتمعه وعقيدته. 

وفي اتجاه أسلوبي آخر نرى تميز شعر أبي نؤاس بالتوازن بين طاقتيه الإخبارية، والإبداعية. وقد تجلت واضحة في كل أبعاد شعره؛ خاصة في الصُّورة اللّغوية، إذ نرى إثراءً حقيقياً في الرصيد المعجمي والدلالي، خاصة في غرضي الغزل بالمذكر، وما أكسب اللغة من تراكيب، وصور، ودلالات أيقظ بها طاقة الجمال اللغوي، ووسع من معجم الصُّورة الفنية بكل أبعادها وتجلياتها في نسيج بنية القصيدة التي تفوقت في نصه، تفوقا يحسب له. 

وأتمنى أن يكون هذا البحث خطوة أولى يواصل الباحثون في المعجم اللغوي، والدلالي، لترصد له أسبقيته الذي وإن لم نتجه لها في هذا البحث، إلا أننا تلمسناها في أثناء إعدادنا له.

ولقد أغفل هذا البحث بنية المضمون في النّصّ النُّواسي، ونرى، أنه لو تفاعل بحث آخر وحاول رصد الشكل والمضمون، بطرق علمية، لكشفنا، عن جوهر جمالية وشعرية النّصّ النُّواسي، الذي أتمنى له أن يعاد اكتشافه، ويطلق سراحه ليحتل المكانة التي أزعم أنها ستؤثر تأثيراُ بالغاً في متذوقي الأدب العربي القديم منه والحديث.

ليلى السيد

18 يونيو 2001

 
 
 

البحر

النسبة المئوية

البسيط

 15.17

الطويل

 14.68

الكامل

 12.93

السريع

 11.50

الوافر

 10.78

الرجز

 9.46

الرمل

 7.36

الخفيف

 6.28

المنسرح

 4.44

المجتث

 3.83

المتقارب

 1.70

الهزج

 0.98

المديد

 0.87

المقتضب

 0.07

المجموع

100%

الجدول رقم (2)

 

 

 

 

 

 

المجموعات

البحر

النسبة المئوية

الأولى

البسيط

15

الطويل

15

الثانية

الكامل

13

السريع

12

الوافر

11

الثالثة

الرجز

9

الرمل

7

الخفيف

6

الرابعة

المنسرح

4

المجتث

4

المتقارب

2

الهزج

1

المديد

1

المقتضب

0

 

المجموع

100%

الجدول رقم (3)

 

 

 

 
 
 

عدد القصائد والمقطوعات

مجموع  الأبيات

الغزل

الخمر

الطرد

الزهد

الهجاء

العتاب

الرثاء

المدح

الغرض 

الدوائر

بالمؤنث

بالمذكر

البحر

135

1077

154  32

21   4

432 44

 

8    2

109 18

45  9

100   6

208  20

التام

الطويل

المختلف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

البسيط

المختلف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المخلع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

المديد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

الكامل

المؤتلف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

الوافر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

الرجز

المجتلب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

الهزج

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

الرمل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

الخفيف

المشتبه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

السريع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

المقتضب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

المجتث

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

المنسرح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التام

المتقارب

المتفق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجزوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مجموع الأبيات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عدد القصائد والمقطوعات

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى