لاحق

تجارب

سابق
 
 

 

دراسات

بنية الإنزياح عند المتنبي

"الكافوريات" نموذجاً

   

مُنىً  كُنّ  لي  أَنّ  البـياض خضــاب

عـنــد  البـيــض  فَــــــوْاديَ  فِــتــْنَــة

فكيف أذُمّ اليـوم ما كنت  أشـتهــي

جلا الّلونُ عن لونٍ هدَى كلّ مسلَك

وفي الجسم نفس لاتشيب لشيبه

لها  ظُفُرٌ  إن  كــــلّ   ظُفْرٌ   أْعـــــِدُّه

يُغَيِّر  من  الدَّهــرُ  ما  شاء  غـــيرَها

وإنِّي  لنــجم  تهتدي  صُحبتي بـــه

غَنِيٌ  عن  الأوطان؛ لا يستــخفُّني

وعن ذَمَلان العيس؛ إن سامَحتْ به

وأَصْدَي  فلا  أُبدي  إلى الماء حاجـةً

وللــســرّ  منِّي  موضـع  لا  ينـالــــه

ولِلْـخَــــوْد  منِّي  ساعةٌ  ثمّ   بيــننا

ومـا العـشق  إلاّ  غِــرّة  وطَــــماعــةٌ

وغـــــيرُ  فــــؤادي للغــواني  رَمــــيّة

تركـــنا  لأطراف  القــنا  كــلَّ شهــوة

نُصــرِّفـه  للــطّـعن  فـــــوق  حـــواذِـرٍ

أعــزُّ  مكان في الدُّنى  سَرْج سـابح

وبحــرٌ  أبو  المسك الخضمُّ  الذي لـه

تجـــاوز  قــدر  المـدح  حتى  كـــــأنّه

وغـــالبه  الأعــــداء   ثــمّ   عَنَوْا  لــه

وأكـــثرُ مـــا تلقى أبا المسك بِــذْلَــةً

وأوســـعُ ما تلـــقـــاه صـدراً وخـلــفَـه

وأنـــفـذُ مـــــا تلــقاه حكـماً إذا قضى

يقـود إلـــيـــه طـاعةَ النـاس فضـــلُــه

أيـــا أســداً في جسمه روح ضــيغــم

ويــا آخـِــذاً من دهـــره  حقَّ  نفـسه

لـــنــــا عنـد هـذا الدَّهر حَقٌّ  يَلُـطّــه

وقــــد ُتحـدِث الأيّـامُ عــنــدك شِيمـةً

ولا مـُلْك إلاّ  أنت والـــمُــــلْكُ  فــضلـة

أرى لــي بقـربي منك عيـــناً قَرِيـــرة

وهـــل نافعي أن تُرفَع الحُجب بيـــننا

أُقِـــلُّ ســـلامي حُبَّ ما خَفَّ  عنكـم

وفي النّفس حـــاجـــات وفيك فطانةٌ

ومـا أنا بالباغي على الحُبَّ  رِشــوةً

ومــــا شِـئتُ  إلاّ  أن أدُلّ عـواذلـــــي

وأُعــلِــــمَ قومـــاً خالفوني  فشرّقــوا

جــرى الخُــلفُ  إلاّ فــيــك أنـك واحــد

وأنّـــك إن قُويِـستَ صــحّــف قــــارىء

وإنّ مـــديــــح الــنّــاس حـقٌّ  وباطـل

إذا نــلتُ مــنــك الـوُدّ  فالمـال هـــيِّن

ومـــا كـــنتُ لــــولا أنت إلاَّ مُــهــاجـرا

ولــــكـنّك  الدُّنــــــيا  إلـــــيَّ  حبـيـبةٌ

فَيَخْفي بتبييض القرون شـباب لياليَ

وفــــخـرٌ ، وذاك الفـــخر عــندي عـــاب

وأدعــــو  بمـــا  أشـكوه حين أُجـــاب؟

كــمــا أنجاب عن ضوء النّهار ضـــــباب

ولـــو أنّ ما في الوجه مــنــه حِـــــرَاب

ونـــابٌ  إذا لـــم يبق في الفـم نــــاب

وأبـــلــغُ أقصى العــمــر  وهي  كَعــاب

إذا حـــال من دون  النُّجوم  سـحــــاب

إلى  بلـد ســــــافرتُ  عـــنـــه  إيـــاب

وإلاّ  فــفــي أكــــوارهـنَّ  عُـــــقـــــاب

ولـلــشّمس فوق  اليَعمَلات لُـــعــــاب

نـــديـــم  ،  ولا  يُفضِي  إليه  شــراب

فَـــلاةٌ  إلى  غـــــير  الــلِّـــقـاء تـجـاب

يُــعـــرِّض  قـــلـبٌ  نـفـسه  فيــصـــاب

وغـــــيرُ  بَـــنـــاني  لـلـزُّجاج ركــــــاب

فــــليـس لـنـــا إلاّ  بـــهـــنّ  لِــــعـــاب

قــــد إنــقــصـفـت فيهنَّ  منه كــعـــاب

وخـــير  جـليـس في  الــزّمان كـــتـاب

على  كـــــلّ  بـــحـرٍ  زخــرةٌ  وعُــبــاب

بـــأحسن  مــــا  يُثنى  عليه يُـــعــاب

كــمــا غالبت بيضَ  السُّيوف رقــــــاب

إذا لــــم يــصن إلاّ الحــــديدَ  ثـــيــــاب

دمــــــاء وطــعــن  والأمـــــامَ  ضِــــراب

قـــضـاءً مــلــوكُ الأرض مــنه غِـــضـاب

وإن لــــم يـــقـدها  نـــائــل وعِـــقـــاب

وكـــــم أُسُــــدٍ أرواحـهـــنَّ كــــــــــلاب

ومـــثــــلُــك يُـــعــطَى حقّـه  ويُـهــــاب

وقــــــــد قـــــلّ  إعـتـاب وطال عــتــاب

وتــنـعـمــر الأوقــــات وهــيَ يَــــبــــاب

كـــأنّـــك نـــصـل فــــيـــه وهو  قِــــراب

وإن كـــــان قُــــرباً بالْـبِــعـــاد يـــشـاب

ودون الّـذي  أمّـــلــــتُ مــنك حــجــاب

وأســكــتُ كــيمـا لا يــكونَ  جـــــــواب

سكوتــي  بــيـان عـــنـــدها وخــطـاب

ضـعـيــفُ هـــوىً  يُبغَـــى عليه ثـــواب

عـلى أنّ رأيـــي في  هـواك صــــــواب

وغـــرّبـــي أنِّــي قــــد  ظفِرت وخابــوا

وأنّـــــك لـــيـثٌ والــمــلـوك  ذِئـــــــــاب

ذئــــابــــا ولـــم يُخطىء فقال  ذُبــــاب

ومـــدحُـك حــــقٌّ  لـــيس فيه كِــــذاب

وكـــــلُّ الـذي فـــوق الـــتُّــــراب تـــراب

لــــــه كــــــلَّ يــــــوم  بــلدة وصِحـــاب

فـــمـــا عــنـك لــي إلاَّ إلـيك ذَهــــــاب

 

   

تتجلى أهمية هذه القصيدة من كونها المحطة الأخيرة في مدح كافور. وعند استحضار هذا الممدوح تبرز أولى الثنائيات التعارضية، وهي المادح / الممدوح ـ المتنبي / كافور. مفجرة كماً من التقابلات الدلالية التي أنتجتها عملية العلاقة المتوترة شعورياً واجتماعيا بينهما. فمقاييس شخصية المتنبي المعروفة تتعارض كلياً ومقاييس هذا السارق للملك، والفاقد لكل خصائص العروبة والقيم العربية من وجهة نظر المتنبي، مما سوف يؤدي بالضرورة إلى إحداث المفارقة بين الذات الشاعرة والواقع الخارجي لهذه الذات. مفجرة امتعاض الذات الشاعرة لهذه المفارقة، مما سوف يجعلها تتخذ أشكالاً مختلفة لتكسير هذا الواقع والخروج من شرنقته على المستوى الدلالي والتركيبي والعروضي. وبالتالي فمطلع القصيدة سوف يعكس الثنائية الضدية المركزية (المتنبي/كافور) داخل هذا النص إلى ثلاثة أقسام ضمن ثنائية الحضور والغياب، وذلك كالتالي:

المجموعة الأولى: من الأبيات (1 - 18) يكون حضور المتنبي أقوى، بينما ينعدم صوت كافور. فتكون كالتالي: المتنبي                         كافور.

المجموعة الثانية: من الأبيات (19 - 27) يكون فيها كافور    من المتنبي، على مستوى الحضور والغياب. وهي الأبيات التي يرتكز فيها المدح. 

المجموعة الثالثة: من الأبيات (28 - 43) وفيها نرى التأرجح على مستوى الحضور والفاعلية بين طرفي الثنائية (المتنبي/كافور)، فتصبح كالتالي: المتنبي      كافور. 

ضمن المجموعة الأولى يطل استهلال هذه القصيدة (المدحية) بأن الشاعر كان يتمنى الشيب في أيام الشباب، إذ يجده أكثر وقاراً وفتنة، وبالتالي فهو لا يذمه ولا يشكو منه بعد مجيئه (1 - 3). كان ذلك مضمون المطلع، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا هذا الاستهلال بالذات في قصيدة مدحية؟

وقبل البحث في بنية الاستهلال التركيبية واستنطاقها، ندون مقولة » أرسطو«  ما من شيء يحدث فيما بعد إلا وله نواة في الاستهلال.(1)      

وبهذه المقولة نجد أن الاستهلال يمثل عصب القصيدة لحمله ما قيل داخل الأنا وما سوف يخرج ليمثل زمنية الحاضر للنص المكتوب، مما سوف يشكل رؤية الشاعر لعالمه، كما يرى »غولدمان«. ذلك أن العمل الأدبي والفني يخضع، شأنه شأن أي تفكير آخر، لمنطقه الداخلي [المنطق الذي نعنيه هو التناقض الداخلي لعناصره البنائية أولاً] ثم للتناقض الخارجي [التناقضات الاجتماعية والفكرية العامة ثانياً]، وهذان التناقضان متضافران بحيث نجدهما متحكمين بمفاصل العمل كله بما فيها الاستهلال.(2)

كما أن أبرز سمات الاستهلال داخل أي نص هو عكسه لنفسية الشاعر قبل الإبداع، من إحساس بالتوتر والقلق إلى رغبة تحويل هذا الإحساس إلى كلمات وألفاظ فالعملية الاستهلالية كبداية لقصيدة، ولكنها أيضاً نهاية  لسلسلة طويلة من المشاعر والأحاسيس، والمواقف قد تستغرق الحياة كلها. لكنها وهي تسجل بداية العمل تكشف أولاً عن عمق الحياة التي سبقتها وولدتها، وعن بداية لحياة العمل الجديدة التي تصبح المسئولة عن تكامله وتماسكه، لذلك فالمناخ النفسي للمبدع لا ينقطع لحظة اكتشاف المبدع للاستهلال لها، وإنما ينمو نمواً عضوياً متحولاً من الفيض الشعوري اللامنتظم السابق إلى بناء عضوي متماسك مسئول عن ما يقوله ويكتبه ويجسده.(3)  

قد تعطي هذه المقدمة حول البنية الاستهلالية في القصيدة بعداً يوضح ما نحن بصدد الحديث عنه. فالشاعر وهو يتوق إلى رفض، كما قلنا، كل ما هو مألوف وطبيعي وكأنه ضد الطبيعة بما تحمله من اعتيادية، فالطبيعي والبديهية تحتم أن يتمنى الإنسان الشباب والرغبة في دوامه، حيث الشباب ــــ  القوة + العزيمة + العنفوان. أما الشيب ـــــ  الهدم + النهاية + العجز.

وقد كانت العرب تتخذ من الحنَّة خضاباً لبياض الشعر، أما عند الشاعر فنرى البعد الدلالي أو المضمون قد انحرف في سياق يفصح عن رؤية معينة لهذا العالم. نرى ذلك من خلال عدة أوجه، وهي:

1 ـ ثنائية التركيب في البيت الأول، بمعنى الموازاة في صدر البيت وعجزه من حيث المعنى:

منى كنّ لي أن البياض خضاب ــــــ  تمنى الشيب

فيخفي بتبييض القرون شباب ــــــ   =      =     

وفي هذه الموازاة كثف المعنى المعطى من خلال تكرار التقابلات الثنائية الضدية: البياض/ خضاب حيث استحضار الشيب/ السواد..

فكلمة خضاب تستحضر ما سوف يخضب أصلاً بالبياض السواد.. تبييض/ شباب.. وأيضاً التقابلات المترادفة، وهي:

أما يخفي// تبييض

القرون// الشباب، دلالياً

وأيضاً موازات التركيب الثنائي بالتظاهر في المعنى.. يخفي شباب // تبييض قرون.

أما الجملة الأولى (منى كنّ لي) فتعتبر العامل الرئيسي للمطلع، إذ أن ما بعدها من التوازيات والترادفات جاءت لتفسير المنى التي كانت تختلجه قديماً، وبالتالي تعتبر هذه الجملة هي المولد الفاعل (المتحكم) في بنية المطلع، كما يوضح »المسدي«.(1) ولكن من الملاحظ أن بنية الجملة الفاعلة تمحور حول الجمع المتمثل في (منى) جمع أمنية، مما يفترض عرض وتفسير يوازي هذا الجمع، ولكن ما حدث كان عرضاً لأمنية واحدة متمثلة في رغبة الشاعر بالشيب وهو شاباً. وبذلك تحدث المفارقة الضدية، مما يعزز من أهمية هذه الأمنية بكونها أقوى الأمنيات وروداً في ظل غياب الأمنيات الأخرى. أضف إلى ذلك ما يحمله هذا الانزياح من تأكيد حول ذاتية الشاعر الرافضة لكل توقع طبيعي، مما يؤكد ذلك البنية النحوية للنص بكامله من تأخير وتقديم وترتيب يندرج ضمن سياق وترتيب الشاعر للبنى النحوية، ونرى ذلك في (فيخفي بتبييض القرون شباب). إذ فصل بالفضلة مالا يفصل وهو الفاعل، مؤخراً الفاعل لا الشباب، مما يوحي بعدم أهميته دلالياً من جهة، ولتكسير التراتب النحوي المتفق والمتعارف عليه.

فالجملة يفترض لها أن تكون هكذا:

فيخفي شباب بتبييض القرون

فعل + فاعل + جملة الإضافة

فانزاح بالجملة إلى:

فعل + جملة الإضافة + فاعل    

مما يؤدي بهذا الانزياح إلى كسر بنية الواقع والتراتب الزمني له، محدثاً عملية تفريغ للذات الممتعضة من الواقع كلما سنحت له الفرصة في ذلك، وموضحاً لبنية الرفض والتحدي لكل مظاهر الواقع الخارجي والطبيعي. كما يتبين ذلك أيضاً على صعيد البنية العروضية للمطلع، إذ نرى تماثلاً بين الصدر والعجز وهذا اعتيادي:

منى كنّ لي أن البياض خضاب

//5/5    //5/5/5    //5/    //5/5  

فعولن   مفاعيلن    فعول    مفاعلْ

فيخفي بتبييض القرون شباب

//5/5    //5/5/5    //5/    //5/5

فعولن    مفاعيلن   فعول    مفاعلْ

لكن ما يلفت الانتباه للمستوى العروضي، أن المتأمل للنص سوف يجد أن القافية مطلقة وغير مقيدة، يطلقها صوت الباء الانفجاري (بوو)، بينما ينزاح بتفعيلة القافية إلى التقييد. وهذه الخاصية سوف تنطبق على النص بكامله (سنوضح ذلك لاحقاً)، مما يؤدي إلى تكثيف هذه الظاهرة واعتبارها متنفساً آخر لحركة الذات التي تبدو بحضورها قوية عنيدة حرة، بينما على المستوى الآخر يحاصرها واقع يشلها ويقلل من حركتها، مما يجعلها حبيسة هذا الشعور حيث إحساس التمزق والتصادم بين الطموح المتأمل فيه والوسيلة الرافض لها، مما أدى بها إلى خلق هذا التعارض على مستوى البنية العروضية، فالمتعارف عليه إطلاق تفعيلة القافية طالما هي مطلقة، ولكنه انحرف بهذا العرف إلى ميزة أخرى سعياً وراء الاختلاف والتحدي، كما حدث للمستويات الأخرى.

كما نرى قانون الانزياح ضمن محور الاختبار لمفردة البياض دون كلمة الشيب لتقابل الشباب، والتي ذكرت صريحاً في المطلع. كما أنها تقابل، كما سبق أن ذكرنا، (خضاب)، حيث حضور الأسود كبعد دلالي لها. وبالتالي استحضار اللونين (الأسود والأبيض) ونرى كيف تعبر مفردة السواد رغم التصاقها بالشباب والقوة إلى الجانب السلبي، حيث رفض الشاعر له، بينما يتجه البياض نحو الفعل الإيجابي (رغبة الشاعر في الشيب)، وبالتالي استحضار اللون الأسود في مطلع قصيدة مدحية سوف يستدعي بدوره كل ما هو أسود/الممدوح ويضعه ضمن دائرة السلب والرفض ويضع ماعدا ذلك ضمن دائرة الأبيض/ القبول والإيجاب.

وقبل أن نبرز بشكل نهائي رؤية الشاعر من خلال استهلالية، نمر بحركة سريعة على إستهلالات الشاعر في مدائحه الكافورية لتبرز رؤيته النهائية. إذ يلاحظ بأن أول قصيدة قالها في مدح كافور كان مطلعها:

كفى بك داءاً أن ترى الموت شافيا

وحـسب المنـايا أن يـكن أمانيـا

حيث عنصر الرفض يتبلور في تمني الموت أو وصول الإنسان إلى حد من الامتعاض تجعله يتمنى الموت دون الحياة، وهذا يخلق تضاداً ومقابلة مع واقع القصيدة/ المدح:

أريك الرضا لو أخفت الناس خافيا

وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا

وفي هذه جرأة وصراحة لا تتوافق وبنية النص/ المدح:

مـن الجـآذر في زي الأعـاريــب

حـمر الحـلى والمطايا والجلابيـب

وهي مقدمة غزلية لكنه حتى في مطلعه الغزلي ينحو إلى تفضيل العرب// البداوة على الحضر// التطبع:

أود مـن الأيـــام مـا لا تـوده

وأشـكو إليها بيننا وهي جـنـده

وبروز هذه المفارقة الثنائية ما يريده الشاعر (الداخل)/ ما تريده الأيام (الخارج)، تقوم صراحة ضمن مستوياتها المختلفة الدلالية والنحوية والعروضية. ومثلها قوله:

فـراق ومن فـارقت غير مذمـم

وأم ومـن يـممت خـير مـيــمم

وقوله:

أغالب فيك الشوق والشوق أغلب

وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب

ورغم أن مضمون الإستهلالات واضحاً، إلا أن هناك ميزة متعلقة بمطالع القصائد، وهو تداخل الزمنين (الماضي والحاضر)، حيث يستحضر الماضي ليفسر الحاضر الذي تبقى له الفاعلية والتحكم إذ أنه الأقوى.

ففي مطلع هذا النص (منى كنّ.....) يستحضر الماضي ـــــ الرغبة في الشيب لتفسير الحاضر ــــــ عدم الشكوى من وصول الشيب.

ومثل ذلك في قوله (كفى بك......)، رغم حضور الحاضر المتمركز بقوة طاغية تحيل الشاعر لتمني الموت، إلا أن الماضي يظهر بغيابه المعاكس، فالماضي جميل لم يتمنى الموت فيه ولا الرحيل، بينما الحاضر بسيطرته المقززة يحيل حياة الشاعر إلى طلب السفر// الرحيل// الموت. وقس على ذلك باقي المطالع الكافورية من خلال ذلك كله تتبلور رؤية الشاعر في كون ذاته تتطلع دائماً للمغايرة التي تشكل جزئية من رفض الواقع// الخارج بالرحيل ـ التحدي ـ بالشيب ـ الموت ـ كسر بنية كل ما هو خارج الذات أو الأنا وإعادة بنائه وفق منظور الشاعر وطموحه، وبالتالي بروز الأنا الشاعرة . وما أظهره مطلع القصيدة سوف ينمو أفقياً ورأسياً داخل النص ويتنامى ويبث داخله ضمن مستويات مختلفة سبق ذكرها.

ففي المجموعة الأولى من الأبيات (1ـ 18) والتي قلنا بحضور ذاتية الشاعر وصوته في ظل غياب الآخر/ الممدوح، نرى ذلك في احتشاد الجملة الفعلية بتنوع فعلها بين الماضي (يتكرر 9 مرات) والمضارع (20 مرة)، مما يعطي الفاعلية والحيوية والتحرك للذات الفاعلة، حتى مع حركة الماضي التي تتيح للمضارع أن يظهر، وذلك كله في إطار نمو ثنائية (الشيب/ الشباب) و(القبول/ الرفض) داخل النص، إذ نرى البيت الثالث حركة تلاحق الأزمنة وتكرارها ضمن تركيبة ثنائية ضدية تبعث على خلق التوتر الفعلي للثنائية الكبرى المعطاة. وهذه التقابلات على مستوى الدلالة:

أذم/ أشتهي ــ (مضارع + مضارع)

اليوم/ كنت ــ (مضارع + ماضي)

أدعو/ أجاب ــ (مضارع + ماضي)

وأيضاً قد تقابل (أدعو/ أشكو) باعتبار أن المشتكي منه يجب أن يرفض ولا يُدعى. ويوجد التقابل أيضاً ضمن التركيب أدعو بما أشكوه/ الماضي (أي بمعنى الذي كنت أشكوه)، حيث أجاب = المضارع، لأن الإجابة تمت إلى الحاضر أي وصول الشيب إليه مع كبر السن. ورجوعاً إلى صدر البيت، نجد الفكرة ذاتها وبوضوح:

أذم اليوم/ كنت أشتهي

مضارع/ ماضي

وبالتالي، فتداخلات الجملة الفعلية ليست في تركيبة الفعل الواضح فقط، وإنما أيضاً على صعيد بناء الجملة مما يحدث توتراً في الشحنة الشعورية للمعطى. فالشيب المتمنى وصل، ولكن الطموح لم يتحقق بعد، مما يحدث توتر الذات وتداخل انفعالاتها بين القبول والرفض، رغم أنها حسمت الموقف (فكيف أذم) بمعنى أنها لا تذم قبول الشيب، وفي مقابل حضور عدم الذم يكون الذم في اللاشعور حيث عدم الذم نتيجة الرغبة والاختيار كما يوضحها البيت الثاني، فهو رغم فتنة النساء بسواد شعره وشبابه والكل يري ذلك فخراً، إلا أنه اعتبره عيباً، ويريد أن يعف عنهن ويصبح أكثر وقاراً وحنكة. لكن الوصول المتأخر للشيب، بمعنى أن الزمن هو الذي أعطى وليس نتيجة عنه، وبالتالي الذم يدخل في سياق الامتعاض من الزمن الحاضر، حيث قدوم الشيب وسيطرة الواقع مع عدم تمكن من بلوغ الغاية المنشودة. ولهذا فالذات الشاعرة تستخرج رغبتها القديمة لتكسر ضحكة الزمن وتجعل الشيب كامناً فيها، من قبل منذ فترة الشباب حيث الرغبة في الوقار والهداية، وذلك ضمن حركة الفعل الماضي الذي يكرس هذه الفكرة ويؤكدها:

جلا اللون = (الشيب/ البياض)

عن لون = الشباب/ السواد

وبالتالي فالتقابل بين ثنائية ضدية هي:

جلا اللون/ عن لون

وعجز البيت بصورته البلاغية أن يفسر مضمون الصدر:

إنجاب ضباب/ لون النهار

السواد/ البياض

الزوال/ الثبات

وهنا نرى كيف يعبر عن الشباب بالضباب الزائل رغم احتضانه للنهار، إلا أنه مع الوقت يظهر، ولا فضل للزمن إلا في إظهاره فقط. لكن هذا المعنى يتأرجح ضمن الفعل (أذم) الغائب، وذلك من خلال الاستدراك الذي يبينه في الأبيات التالية (5 ـ 7)، حيث النفس التي لا تشيب رغم وصول الأمر إلى الجسد، ورغم (ما في الوجه منه حراب). فهذا الاستدراك يفجر التناقض الذي يختمر في ذات الشاعر، فالشعرات البيض التي في الرأس تمثل (حراباً) ـ جمع (حربة) ـ في ذات الشاعر، مما يخلق هذا التوتر الدائم والتوثب القلق الغير مستقر. ويؤكد ذلك على التقابلات الضدية:

الجسم/ نفس

لا تشيب/ بشيبه 

لها ظفر/ ظفري

كلّ/ أعده 

نابها/ نابي 

لها/ لم يبق 

وعلى مستوى تركيب الجملة :

يغير منى الدهر/ غيرها (غير هي لا تتغير)

أبلغ أقصى العمر/ وهي كعاب

ومن الملاحظ من خلال التقابلات السابقة عملية الفصل بين الجسم والروح ضمن الاستدراك المعطى: خلق ثنائية (الجسم/ الروح) بحيث يتخلق الجسد بصفات والروح بصفات أخرى: الجسد ـــ  التغير+ الشيب+ الضعف+ فقدان الأشياء+ الزوال

الروح ــ   الثبات + الشباب + القوة + الحفاظ على الأشياء + الديمومة

وبالتالي فثنائية (الجسد/ الروح) تنزع إلى ثنائية أكبر، ألا وهي (الزوال/ الديمومة)، وفي ذلك الفصل بُعد فلسفي ديني. والملاحظ من تعبير (يغير منى الدهر) الإجبارية وتأكيد الذات على قوة وفاعلية الزمن/ الحاضر، وامتعاض الذات من ذلك لدليل تهريبه للروح من عملية تغير الزمن الإجبارية ورفضه لأن يصيبها أي تغير، مما ينفي المزاعم الأولى من حب الشيب وقبوله ومن ثم يؤكد التوتر الداخلي للشاعر، مما يجعل المتناقضات على المستوى الدلالي والتركيبي تتصاعد داخل بنية النص وتحطم كل ما هو متوقع. غير أن الأبيات السابقة قد أعطت صفة واحدة، ألا وهي قوة الروح وعنفوانيتها. وهذا جانب من جوانب الشباب المتجدد في الشاعر رغم وصول الشيب/ الكبر. وبالتالي فصوت الأنا سوف يعلو أكثر لتعود الروح والجسد في تشكل واحد هو (أنا) كاملة. وتظهر فاعلية الذات وسيطرتها مقابل الزمن والواقع في كونه نجم يهتدى به، إلا أن هداية النجم تأتي من لونه وضياءه وبالتالي تصبح المقابلة بين:

نجم/ سحاب

أبيض/ أسود

تهتدي/ حال

بي/ صحبتي

وهنا نرى عنصر الزعامة والقيادة، فمع الشيب تبقى أيضاً سيادته على أصحابه (وفيها استدراك لفرض القصيدة الممدوح حيث سيادته العامة، وفي هذا تواجد للغائب الآخر/الممدوح).

وتتوالى عبر الأبيات التالية التقابلات والتوازيات لتخلق صفات الحيوية والفاعلية والشباب رغم ذهاب الشباب البيولوجي:

غني عن الأوطان/ لا يستفزني

تركها/ الرجوع إليها

سافرت / إياب

وهي صفة التنقل والحرية وعدم الارتباط بمكان ما (البداوة)، وفي هذا حضور آخر للغائب/ الممدوح، حيث التلميح بسهولة الرحيل عنده إذا لم يحصل ما يبتغيه.

غنى عن ذملان العيس/ إن سامحت به ــــ صفة الاستغناء عن ركوب الناقة بالسير على الأقدام/ ركوب الناقة ـــ القوة والتحمل

أصدى/ لا أبدي حاجة للماء ـــــــــــ صفة التحمل والجلد

وبين التقابلات المترادفة في التركيب:

للسر مني موضع لا يناله// نديم ولا يفضى شراب

كتمان السر (موضع ثقة)// موضع ثقة ورزانة

وما قوله:

للخود مني ساعة/ فلاة إلى غير اللقاء تجاب

البقاء (الوصل)/ الرحيل (الهجر)

غير أن التقابل يكاد ينزاح عن نقطة الانتصاف إذ أن (ثم بيننا) ترجع إلى مصدر الشطر الثاني لا الأول، مما يجعل الوصل والهجر بالرحيل كتلة واحدة درج الشاعر والآخر على اعتيادها مما يؤدي إلى صعوبة امتلاك الشاعر من قبل امرأة. ويعزز هذه الصفة انزياحه بالحب للخداع والطمع والغرور وضاعن الوفاء والوصل و...الخ

العشق/ غرة وطماعة        

يعرض/ تصاب

أما في البيت (15) فيتقابل المصدر مع العجز في المعنى منشئاً بذلك صفة العفة والعزوف عن اللعب. والبيتين (16 ـ 17) ـــــ صفة الفروسية، وإن المتعة في الحرب والإقدام. وبالتالي فالتضاد يقع بين:

تركنا لأطراف القنا كل شهوة                

حيث تنزاح بمعناها إلى هجر الغواني وكل متعة في الحياة ـ رغم أن المعنى البارز للتركيب هو الرغبة في الحرب، مما يخلق للشطر نفسه ضمن التقابل الثنائي الضدي في المعنى إلى رؤى الشاعر المتناقضة، وبين (فليس لنا إلا بهن لعاب) حيث صفة الإقدام والفروسية في الحرب على المستوى الظاهري للمعنى والبعيد عن كل لعب ومتعة المعنى الآخر، وبالتالي فالشطر الأول يقابل الشطر الثاني بالتناقض في المعنى ويقابله أيضاً بالترادف، وكأنما أراد الشاعر خلق المفاجأة وعدم التوقع وذلك في قدرته على كسر البنية الدلالية الثابتة لتركيب الجملة داخل البيت.

والفروسية تتطلب فرساً أصيلة تقتحم المعركة وتحاذر من الطعن والضرب، ومع التقابل بالمترادف بين أفعل التفضيل:

أعز// خير

مكان// جليس

الدنى// الزمان

سرج سابح// كتاب             

تبرز صفة الترحال وكثرة الإطلاع، وقد جعل سرج الخيل الوطن العزيز عليه كيف لا وهو يستغني عن كل ارتباط بأي أرض، وفي هذا تلميح بسهولة الرحيل عليه في أي وقت، وهنا يبين الآخر/ الممدوح، إذ نلاحظ أن ظهوره في هذه المرحلة لا يتعدى ذلك. وبذلك يكمل الشاعر صفاته التي تجعل منه ضمن الفعل الإيجابي/ الشباب داخلياً، رغم أن الواقع الخارجي ينفي ذلك، وبهذا يخلق الشاعر الرفض.

أما المجموعة الثانية، فهي تمثل أبيات المدح (19 ـ 27)، حيث بروز صورة المدح وحضوره بشكل مكثف، ضمن صفات المدح، والتي تتخذ تفوق الممدوح/ الآخرين، والأبيات كلها تعتمد على أسلوب سرد الصفة ثم الإتيان بتفسيرها في الشطر الثاني.

إما عن طريق المفاضلة، كما في البيت (19):

وبحر أبو المسك الخضم الذي له// على كل بحر زخرة وعباب

حيث تفوق عطاء الشاعر على الآخرين، خاصة إذا اعتبرت عطفاً على ما سبق (خير جليس)، والشاعر انزاح بصفة الخضم من البحر إلى المشبه أبو المسك ليجعله كثير العطاء بإعتبار أن الخضم (كثير الماء). ولكن لماذا (الخضم) دون (الوافر) أو (الكثير)، ولا يكثر الماء إلا في شدة البحر وغضبه، وبالتالي فالعطاء هنا مرهون بكسره ومعنى من قبل العاطي يدل على ذلك اختياره الثاني، والذي يفسر الشطر الأول من البيت (زخرة وعباب) واللتان توازيان مفردة الخضم في المعنى، مما يؤكد على قصدية الاختيار، وبالتالي العطاء أو الكرم، والتي سوف يتصف بها الممدوح مشروطة بالغضب والخبث، وبالتالي فنحن نفتقد هنا إلى ملامح الكرم والعطاء العربي المعروف، مما يوضح أن هذه المفاضلة غير حقيقية، ومنذ أول المديح تسقط الصفة الأولى (العطاء)، أما الصفة الثانية فهي التفوق الذي له، حتى تجاوز به كل مديح وأصبح دونه ومحتقر، حتى خلق الثنائية الضدية:

ما يثني/ يعاب

المديح/ الهجاء

ولنقل هذا التفوق يحمل صفة الإيجابية أو حركة الفعل الماضي (غالب)، وفي البيت التالي يفصح عن حركة المقاومة والرفض له من قبل أعدائه، ولكنهم أمام قوته وبطشه خضعوا له، وذلك ضمن الثنائية المعطاة:

غالبه/ عنوا له                  

يصاحب ذلك تمثيل يفسر به البيت (بطش السيوف بالرقاب التي تقع تحت حدها) وتشبيهه بالسيوف أفقده صفة التسامح وأعطاه صفة البطش أكثر من القوة، بعكس ما يتصف به سيف الدولة ـ مثلاً ـ من قوة مع أعدائه بجانب تسامحه وعدم إذلالهم. وبالتالي فالقوة تنتفي (ـ بطش) ويأتي أفعل التفضيل بتكراره في ثلاثة الأبيات التالية (أكثر ـ أوسع ـ أنفذ) ضمن صفات هي (الشجاعة ـ الفروسية والقوة ـ الزعامة السياسية). ففي البيت الأول يستثني أبا المسك من الأبطال من حيث الإقدام والشجاعة في الحرب دون الاحتماء بالدروع (+ شجاعة).

أما البيت الثاني فهي رحابة الصدر وفروسيته في الحرب، فهو المتصدر بالسيف وخلف أصحابه بين رام وطاعن، هذا على رواية »أبو الفتح«. وبالتالي تنتفي صفة الفروسية والبطولة، فالاطمئنان والتقدم جاء من باب أن ظهره محمياً من قبل أعوانه (ـ فروسية وزعامة حربية)، أما بتفسير »ابن فورّجه« فقد جعل الطعن والرماء من أعدائه، وهو في الوسط وفيها تتمكن الفروسية والبطولة متحولة إلى (+ فروسية)، مما يجعل المحصلة التراجع في الصفة (فروسية). أما التفضيل الثالث، فهو في مقدرته وسيطرته السياسية بدليل أنه أكثر طاعة من قبل الملوك الآخرين، حتى وإن كان الأمر المطلوب يسيء إليهم أو يغضبهم، وفي هذا طغياناً أكثر من كونه زعامة أو قوة، وبالتالي تصبح الصفة (ـ زعامة سياسية). ويفسر ذلك تكثيف الثنائيات داخل النص:

يقود/ لم يقد

فضله/ نائل، عقاب

وعلى الترادف: 

طاعة الناس// طاعة الناس (المتمثلة في الضمير المتصل)، هذا على مستوى المفاضلة.

أما المستوى الآخر في المدح فكان صيغة المخاطبة المباشرة (أيا أسدا / يا آخذاً) ففي التعبير الأول نجد الشاعر يمدح الآخر بالأسد ويختار له صفة الضيغم، مغيباً بذلك الصفات الأخرى للأسد، وأصل الضيغم العض، أي يأتي بمعنى البطش يعاضد هذا الاختيار والانزياح الشطر التالي إذ يفسر بحضور المقارنة للكثير من الناس لها روح الكلاب التي = ضيغم = العض = البطش، والمفترض أنه وصفه بالأسد، فأما يكمل الصفات أو يعطي تفسيراً بالتشبيه والصورة كما فعل، ولكنه انزاح عن ذلك كله بعرض مستوى الغياب وإحضاره أو استدعائه في النص، مما يؤدي إلى التأكيد على انتفاء صفة الشجاعة (ــ) وحضور العض أي البطش (+)، مما يؤكد ذلك البيت الذي يليه (يا آخذاً)، حيث أداة النداء التي تدل على البعد والفعل الماضي المؤدي إلى زمن مغاير للزمن الحاضر، مما يعني أن أخذه لحقه تم منذ فترة ليست بالقصيرة. كما أن الفعل ذاته يوحي بالقسرية والإجبار وأن الأخذ يتم عن قصد وتمكن وذلك نتيجة الخوف (ـ) والسلطة (+)، وقوله (من دهره) بمعنى أن الممدوح تفوق على الدهر في القوة مما جعله ينزع حقه / السلطة من أيدي مستحقيها أي أنه سارق لحق ليس له (ــ).

من كل ذلك يتضح من خلال الصفات التي طرحت في المدح والتي تتراوح بين الصفة الإيجابية الفعلية وبين السلبية من ناحية غرض المدح، مما يؤدي في النهاية إلى أن الشاعر يكسر بنية المدح وينزاح بها إلى بنية الهجاء، مما يؤكد على رفض الشاعر لخلق بطولية حقيقية لكافور، مما أدى ذلك بالذات إلى التحايل على بنية المدح هذه.

جدول الصفات

 
بعد المدح قبل المدح الصفة
ـ +

الكرم

ـ +

التفوق

ـ (لمصاحبتها بمعنى البطش) +

القوة

ـ +

التسامح

+ +

شجاعة

+ (تبعاً لاختلاف الرواية في معناه) +

الفروسية

ـ (لخلطها بالبطش والطغيان) +

زعامة سياسية

 

وبالتالي فنحن نجد حضوراً لصورة الممدوح وإن اتجهت في هذا الحضور إلى تغييبه دلالياً، أي على مستوى المدح.

أما المجموعة الثالثة فتتمركز ذات الشاعر، حيث السعي بالتصريح وبالتلميح إلى طلب العطاء/ السلطة، بدأً بـ (لنا) ولأول مرة في القصيدة يستخدم (نا الفاعلين) أي صيغة الجمع والمراد بها المفرد/ الشاعر وإضافة (عند هذا الدهر) إلى شبه الجملة/ لنا، مما يؤدي  التمهيد بأحقيته وأصالة هذا الحق له وكأن لنا المتمثل في ذات الشاعر حضورياً، والذات العربية على مستوى الغياب. يؤكد ذلك (حق يلطه) ففعل المماطلة والتنكر لهذا الحق رغم المعاتبة من قبل الشاعر، إلا أنه باق على جحوده وتنكره لهذا الحق، مما يؤدي إلى ظهور صورة الممدوح مواز للدهر بدلالة المخاطبة المباشرة للممدوح في البيت التالي (وقد تحدث الأيام عندك) وكأنها استدراك لما سبق من تقرير المماطلة بأنك قد تصبح ذو عادة في الكرم والعطاء، وقوله (تُدث)، دالاً على أن الصفة ليست أصيلة عنده وإنما هي صفة مستحدثة أجبرته الأيام عليها للحفاظ على منزلته السياسية، مما خلق الثنائية الضدية:

تنعمر/ يباب

والثنائية الموازية:

الأوقات// وهي

أما استدراكه لصفة الملك وكونه الملك ذاته فهي تتضمن أسلوب المدح من أجل الوصول إلى الحق المماطل فيه أو إبعاداً لمخاوف الممدوح من المادح إذا حصل على السلطة أن يتمرد ويتنكر له (وهذا ما ترده دائماً كتب التاريخ عن ذلك). وما يؤكد ذلك التهديد المبطن في الطلب والذي فجر الثنائية الضدية:

القرب/ الرحيل  

فالقرب من الممدوح مشروطاً بالحصول على الطلب/ العطاء، وإلا فإن هذا القرب سينتهي بالرحيل/ الرفض لكل مماطلة وتذكر، والاستفهام في البيت الذي يليه هل تقلل من فعل المعاتبة والتهديد المبطن وإن انتابها التلميح في الشطر الثاني، مما يخلق التضاد في المعنى بين الشطرين:

الوصل = (إزالة الحواجز)/ احتجاب الطلب (الممانعة)

يخفف حدة المعاتبة والإلحاح بالبيت الذي يليه حيث الإقلال والسكوت حتى ينتج بإيحاءات دلالات البيت التالي ما يطلبه منه في النفس/ فيك (بمعنى أنا / أنت)، وذلك على مستوى الدلالة، أما على مستوى التركيب فمتطابقان، وأيضاً التضاد حاجات/ فطانة بمعنى الطلب/ تلبيته. وأيضاً هناك تطابق في التركيب النحوي بينهما:

سكوتي/ بيان

سكوتي/ خطاب

أما التوازي، فيكون:

بيان// خطاب

وقد قام الشاعر بتهدئة شحنة التوتر والغضب اللذان سيطرا على الممدوح، مما يؤدي إلى الإتيان بالحيلة والإقناع فليس بطالب على حبه رشوة ولكن هذا الطلب من أجل إذلال الذين عاتبوه في حب كافور، فكان رأيه الأصح فيه، بدليل أنه فاز بقصده إليه وهم الذين خسروا. وقوله (ظفرت) رغم أنه لم يحصل على غايته بعد إخراج لموقف الممدوح وإقامة الحجة عليه من أن يسارع في الكرم (35 ـ 37).

الاتجاه الثاني هو الرجوع إلى أسلوب المدح، حيث نجد أن الصفات التي يمدح بها من التفرد والتميز والشجاعة والزعامة والقوة مع استحقاقه للمدح بسبب صفاته، تحمل صفة الإيجابية دون المساس بها من حيث حضورها داخل شخصية الممدوح، في حين أنها كانت تتسم بالغياب، أي السلبية حينما كان الموقف يستدعي المدح دون التطرق إلى طلب العطاء / السلطة، وكأنما عملية الرفض التي واكبت المرحلة المدحية الخالصة ما لبث أن تحايل عليها فأكمل الصورة المدحية التي لم تكن لتكتمل لولا بروز الغاية كثنائية ضدية للوسيلة، مما يبقيه أيضاً في طي السلبية، إذ أنه مدح كذاب لا يستساغ من قبل القارئ، ويراوح المتنبي بين التلميح والتصريح وأسلوب المعاتبة ثم المدح ليكرر أسلوب التلميح. فهو إن نال منه الوصل والرضى فيكفيه هذا، والمال ليس كل شيء (البيت 41).

ويعاود المتنبي التلميح بالرحيل بتركه خاصة كونه شاعر يطلب في كل بلدة (وكأنما عملية الرحيل لدى الشاعر في كافوريته تنزاح إلى أكثر من ترك المكان أو كافور بل تتعداه إلى الانطلاقة والحرية والبحث والمستقبل، والى رفض الذات لكل ما تفعله أو ما تبرره لنفسها من أجل الوصول). لكنه يثير قناعة الممدوح إنما بقائه بسبب حبه له وأنه الدنيا حلقة تتصل بعضها ببعض، وهنا يريد الشاعر أن يخفي ملامح الرحيل التي كان قد طرحها في البيت 42. 

الصورة الشعرية

تمثل الأوجه البلاغية من تشبيه واستعارة وكناية، مكوناً رئيسياً في الصورة الشعرية القديمة. وقد كان المجاز المرسل هو المكون الرئيسي للصورة عند »أرسطو«، إلا أن البلاغيين جعلوا المشابهة والاستعارة هي المكونة لها؛ وهذا الرأي ـ طبعاً ـ يختلف عن مفهوم الصورة الشعرية في العصر الحديث، وما يهمنا هنا هو المفهوم الأول.

والمتتبع لقصيدة المتنبي هذه، يجد فيها توزيعاً معيناً للأوجه البلاغية للصورة ضمن الدوائر الثلاث المقسمة بها القصيدة، وهي موضحة في الجدول التالي:

 
الكتابة تشبيه الإستعارة الأبيات
ضمني تمثيلي بليغ
6 ـ 1 9 19 1 ـ 18
6 (إن لم نقل على الترجيح الكناية في كل أبياته هذه) 1 1 3 1 19 ـ 27
6 1 1 5 5 28 ـ 43
 

ومن الجدول السابق سنلاحظ تكثيف المجموعة الأولى بالاستعارة والتشبيه (خاصة الاستعارة)، بينما قلت في المجموعات الأخرى.

وقبل الحديث علينا أن نعرف أن مبدأ الاستعارة قائم على مبدأ الانزياح، فاللفظة المستخدمة يتجاوز بها عن معناها المعروف بنقل بعض خصائص اللفظة إلى ميدان غير معروف بالنسبة لها، وبالتالي فهي عملية استبدالية، فـ »جان كوهين« يميز الاستعارة بين لحظتين ((الأولى يسميها عرض الانزياح وهي عبارة عن ملاحظة المنافرة بين الكلمة المستعارة أو الكلمة المجاورة أو القرينة، والثانية هي نفي أو اختزال الانزياح بالانتقال من المعنى الأول الذي لا يقبله السياق إلى المعنى الثاني الذي يعيد الانسجام إلى الكلام بنفي المنافرة بين الكلمة وسياقها، هذا المعنى الثاني هو وحدة الذي يطلق عليه الاستعارة )). (4)

والسؤال الثاني الذي يطرح، لماذا تمركز التشبيه والاستعارة أيضاً في المجموعة الأولى؟

تمثل المرحلة الأولى، كما قلنا، صوت الأنا/ الشاعر وفيها تكثف رؤية الشاعر للحياة بشكل عام، ومن هنا كان زخمها بالاستعارة التي بتواترها داخل النص وتكثيفها تخلق الانفعال الشعوري داخل النص، فالاستعارة جاءت مع مطلع القصيدة، حيث (يخفي شباب) والتي تتنامى داخل النص بـ (أذم/ أشتهي) حيث شبه الشيب بالشيء الذي يذم أو يشتهى ويطلب، مما يعمق رؤية الاستهلال ويزيدها تكثفاً في الحضور داخل النص. وكما سبق أن ذكرنا، بأن الاستعارة هي عملية استبدالية أو ما يسمى بمحور الاختيار والتوزيع، والذي يفترض عند النقاد أنه لا يمكن أن يكون اعتباطي الصنع، وإنما هو اختيار المتكلم من رصيده لأدواته التعبيرية، وتتمثل في رصف هذه الأدوات وتركيبها حسب تنظيم معين، وهذا ما حدا بالشاعر لاختيار الفعل (جلا) ليعطي فاعلية اللون/ الأبيض ـ الشيب. فقد استبدل (جلا) بدلاً من (كشف وظهر أو ارتحل)، وذلك لخلق المفاجأة والحركة الفاعلة إيجابياً، والفعل نفسه يدخل ضمن دائرة التشبيه التي سوف تكسبه صفة الهداية / الوضوح، وتفسره بالمشبه به (كما إنجاب عن لون النهار ضباب).

أما الأبيات من (5 ـ 7) فالصورة الاستعارية تتكثف فيها لتبرز لحظة التوتر بين المطلع الاستهلالي من رغبة في الشيب وبين وصول الشيب قبل وصوله/ الشاعر ما يسمى إليه، لذا أوجد عملية التخلص هذه في الفصل بين فيزيائية الجسد وماهية الروح، فجر ذلك الاستعارة (نفس لا تشيب) فخلقت الصورة التناقض المطلوب بين الداخل والخارج، مما يحيل السكون نحو الخارج والفاعلية والحيوية والتدفق نحو الداخل، فلفظة (لا تشيب) تسقط هذه المعاني السابقة وتنزاح بالنفس إلى حركة الرفض لكل ما هو خارجي/ واقع غير مرغوب فيه، وهذا لا يعني استسلام الجسد استسلاما تاماً لحركة الواقع ولكن محاولة الرفض أقل (حراب) استعارة تصريحية لتحل محل الشيب الذي ظهر في الشعرات المتدلية على الوجه مما يوحي بالرفض التام رغم ما استهل به القصيدة من رغبة. وبعيداً عن استدراك رفض الجسد، تستكمل حركة النفس ومقاومتها مع استعداد الجسم للمساعدة (كل ظفر ـ ظفر ـ أعده ـ لها ناب) والتي تبعث بصفة القوة للروح بدليل هذه المقابلة في المعنى بين الاستعارة والتشبيه البليغ (يغير منى الدهر/ وهي كعاب) تفوق الواقع على الجسد/ تكسير النفس لبنية الواقع (الرفض).

أما الأبيات (8 ـ 18) فتتعاضد التشبيهات (خاصة التشبيه البليغ) والاستعارات مكونة حركة انتفاضة الجسم بإتحاده مع النفس، لرفض كل قهر وإحساس بالعجز يمنحه الواقع الخارجي، فمن التشبيهات البليغية (إني نجم ـ غني عن الأوطان ـ للشمس لعاب ـ للرماح ركاب ـ للغواني رمية........ الخ).

أما حركة الاستعارات فهي (حال سحاب ـ سامحت ذملان العيس به ـ عقاب ـ يفضي شراب ـ يعرض قلب ـ تصاب....... الخ). وكلها تبث حالة التوتر والرفض داخل النص.

في المقابل نرى المجموعة الثانية (19 ـ 27) تحدد حركة وحرية الاستعارة لتقوى على إثر ذلك الكناية، وبعدها التشبيه مع أنها أبيات مدح ويتطلب المدح الجزالة في التعبير والصور، لكنه كسر هذه القاعدة ومال إلى التفسير الواضح والمباشر، فالمعروف أن التشبيه أيسر في الفهم والاستيعاب. والكناية تقرب الصورة من المباشرة والفهم أكثر من الاستعارة، التي تميل إلى التغريب والتعقيد، وربما يرجع ذلك إلى معرفة الشاعر بخافيات ممدوحه الثقافية، واستخفافه بإدراكه، أو لأن المدح لا يوافق وذات الشاعر، مما حدى به إلى التشبيه والكناية لتكون حركة الأبيات سريعة دون غيرها، فنحن نرى أبيات المجموعة الأولى وتمكن الاستعارة منها، إذ أنها تتحدث عن ذات الشاعر والتناقض الذي يحدث فيها. وهذه الشبكة الشعورية الإنسانية المتوترة داخله أكثر غموضاً وتعقيداً عند الشاعر نفسه، ومن هنا جاء التركيز على الاستعارة إذ أنها أكثر الأوجه البلاغية قدرة على التعبير عن ذلك.

أما المجموعة الثالثة (28 ـ 43) فإن الاستعارة أخذت حيزاً أكبر بقليل من المجموعة الثانية، ذلك أن في هذه المجموعة تتداخل الثنائية الضدية (المتنبي/ كافور) ولتصبح هذه الأبيات صوتاً متداخلاً بينهما. ولهذا فعندما يظهر صوت الذات الشاعرة يظهر هذا التوتر في النص والتناقض فتأتي الاستعارة.

وبالفعل لم تبرز الاستعارة إلا في إطار حديث الشاعر عن نفسه (بالبعاد يشاب)، ففيها يجعل المكون مع الممدوح كالمادة التي تخلط بمادة أخرى، وهنا يكون الرحيل محل المادة. وقوله (حق يلطه) فهو يتكلم عن حقه الذي يماطل فيه الممدوح وينكره، وحركة الفعل المضارع توحي بقصدية المماطلة من قبل الممدوح/ الدهر، ثم قوله (تنعمر الأوقات) ويقصد بها حياته.

ومن الملاحظ أنه يتبقى في الجدول استعارتان وهما تصريحيتان ذكر فيهما الملوك مرة بالذباب وأخرى بالذئاب. أما فيما يتعلق بالممدوح فتبقى التشبيهات والكناية هي المستخدمة لغرض المدح، كما وضحنا من قبل.  

البنية النحوية والعروضية

هناك ظاهرة نحوية سيطرت على النص وتكاد تسيطر على شعر المتنبي بأكمله، وهي ظاهرة التقديم والتأخير، وقد وردت هذه الظاهرة إما كما يجوزها النحويون كتقديم الخبر على المبتدأ في مواضع التقديم والتأخير المعروفة، وإما يقوم الشاعر بإحداث تقديم وتأخير (قد لا يصح) عند النحويين أنفسهم. وبالتالي فالظاهرة بإحصائية بسيطة هي كالتالي:

أولاً: تقديم الخبر على المبتدأ، وقد تكرر 10 مرات.

ثانياً: الاتجاه الثاني في الفصل، وكان كالتالي:

1 ـ في الجملة الفعلية:

( أ ) فعل + شبه الجملة (قد يكون معها المفعول به) + فاعل.

(ب) فعل + فاعل + شبه الجملة + مفعول به.

(ج) فعل + المستثنى بإلا + فاعل.

(د ) فعل + جملة الإضافة + فاعل.

2 ـ الجملة الاسمية:

( أ ) مبتدأ + شبه جملة + خبر.

(ب) خبر مقدم + شبه جملة + مبتدأ مؤخر. 

وقد تكرر في القصيدة التقديم والتأخير 41 مرة بشكل عام، وقد خدمت هذه الظاهرة البعد الدلالي للنص، إذ أنها ظاهرة وليست أصل، بمعنى أنها تصاحب النص على القلة، أما وأن تأتي بشكل رئيسي بحيث يحمل الأصل على الفرع، فهذا تكسير للبنية النحوية التي وضعتها العرب/ واقع مفروض، وبالتالي تصبح ذات الشاعر منزاحة لكل قيد يشرط على ذاته وممثلة للواقع حيث السيطرة والتسلط، وبالتالي فإن رفضها يصبح ضرباً من الجنون، مما يؤدي بالذات إلى التحايل على البنية الأم/ الواقع، ببنية تخرج منه ومصرح بها من قبل الخارج، ولكن بجعلها تطغى على البنية الأصل.

وربما جاء بها أيضاً من أجل أن يستطيع التحايل على بنية المدح حيث رفضه لها، ولكن دون المجاهرة بذلك، مما يشغل القارئ في الصور وظواهره النحوية والعروضية عن المعنى.

وللتقديم والتأخير فاعلية داخل النص، فهي قد تبث الغموض داخل البيت بتكثيفها للصورة الشعرية، إذ أنها تبعد بعناصر الصورة مما يزيد في إغرابها، كقوله:

ـ كما إنجاب عن لون النهار ضباب.

ـ لها ظفر إن كلّ ظفر أعده.

ـ وإني لنجم تهتدي بي صحبتي

ـ إذا حال من دون النجوم سحاب .

ـ نديم ولا يفضى إليه شراب.

ـ تركنا لأطراف القنا كل شهوة

ـ فليس لنا إلا بهن لعاب.

ـ نصرفه للطعن فوق حواز

ـ قد انقصفت فيهن منه كعاب.

وفاعليتها أيضاً تكمن في نية تقديم أو تأخير المعطى دلالياً، فهو مثلاً قد يؤخر الفاعل لنية دلالية، هي إسقاطه من ذات الشاعر، بمعنى الإيحاء بعدم أهميته أو تقليل من شأنه، وإنما يأتي التركيز مثلاً على الجار والمجرور، لأنه قد يتضمن فاعلية أكبر هي (الذات الشاعرة وذلك كما في قوله يغير مني الدهر). وقد يقدم المفعول به لنفس السبب أو يؤخره لابتعاده عن دائرة الأنا، خاصة في الأبيات (1 ـ 18) مما يدلل على ذلك قوله:

فيخفى ـ بتبييض القرون ـ شباب، إذ كانت الأهمية كامنة في الفضلة حيث الرغبة في الشيب، وتقل في الفاعل وكأنما الفاعلية الحق كانت في الجار والمجرور، قس على ذلك قوله:

ـ كما إنجاب ـ عن لون النهار ـ ضباب.

ـ ناب ـ إذا لم يبقى في الفم ـ ناب.

ـ إذا حال ـ من دون النجوم ـ سحاب.

ـ ولا يفضي ـ إليه ـ شراب.

ـ انقصفت ـ فيهن منه ـ كعاب.

أما قوله (يغير ـ مني ـ الدهر) فقد سبق الإشارة لمعناها، وعليها يقاس قوله (لا يستفزني ـ إلى بلد سافرت عنه ـ إياب).

أما في مجال المدح، فنرى تأخر الفاعل في قوله (غالبت ـ بيض السيوف ـ رقاب) دلالة بأهمية تسلط وتمكن السيوف// الممدوح// البطش من الرقاب// الناس رغم مقاومتها له، وفي هذا تأكيد لمعاني الصورة ولانتفاء القوة في المدح كما ورد سابقاً، كذلك قوله (إذا لم تصن ـ إلا الحديد ـ ثياب).

أما قوله (يقود ـ إليه طاعة الناس ـ فضله   ولو لم يقد ـ ها ـ نائل وعقاب) وكانت في الأصل كما يلي:

(يقود فضله طاعة الناس إليه) فقدم جملة الجار + مفعول به على الفاعل لبيان منزلة الممدوح، وبالتالي فالتبعية لازمة لزوماً واجباً بالفضل أو بالسيف والعقاب كما يوضحها الشطر الثاني.

وهكذا فالبنية النحوية لم تنشأ جزافاً، كما هو الحال أيضاً داخل البنية العروضية إذ نرى أن قافية القصيدة مطلقة ومتحركة بينما داخل التفعيلة العروضية ساكنة، هذا إضافة إلى ما أحدثه الشاعر في البنية العروضية من قبض وحذف، وذلك كالتالي:

1 ـ التزام (مفاعلْ)، كقافية في جميع أبيات النص.

2 ـ التزام (مفاعلن) في نهاية صدر البيت.

3 ـ التزام (مفاعيلن) في التفعيلة الثانية للصدر والعجز واكتفى بتغييرها مرة واحدة إلى (مفاعلن).

4 ـ التزام (فعول) في تفعيلة ما قبل التفعيلة الأخيرة في العجز، بينما ألتزم (فعولن) في تفعيلة ما قبل الأخيرة في العروض بغالبية 32 مرة، وتحول إلى (فعول) 13 مرة.

5 ـ تأتي (فعول) في بداية الصدر أو العجز 35 مرة، بينما ترد (فعولن) ثمان مرات.

والكلام الذي قيل في البنية النحوية يصدق على البنية العروضية، إذ نرى أن النص كل متكامل في ترابطه من أجل خلق الثنائية الضدية:

المتنبي/ كافور

الرفض/ القبول

الداخل/ الخارج

ما يلفت الانتباه أنه جعل القافية متحركة علي صعيد الخارج وساكنة على صعيد الداخل، في حين أنه دلالياً وعبر البنيات المختلفة نرى الحركة للداخل أكثر منها للخارج، فكان يستطيع أن يقيد القافية ويجعلها ساكنة مثلاً.

وبالتالي فهذه الملاحظة تفسر التوتر والتناقض الواقعة في الذات الشاعرة، فرغم ما يبان للناظر من تمتع الذات بحريتها وقوتها إلا أنها قابعة في سجن وقيود، وذلك ضمن علاقة الشاعر بالممدوح، حيث سماح الممدوح له بحرية الحركة داخل مصر وتقييده له من خلال المماطلة في حصول الشاعر على غايته منه، جاعلاً من أمنية وطموح المتنبي قيداً يقيده به. وعلى ذلك فبنية السكون (الداخل)/ الحركة (الخارج)، صورة من صور الرفض التي تزخر بها القصيدة، وحركة من حركة الانزياح الحاضرة في النص. 

من كل ما سبق، نستشف حركة النص قائمة ضمن مفهوم المغايرة (الرفض)/ الواقع، وعبر قانون الانزياح بجعله مرتكزاً لحياة الشاعر عند كافور.

ليلى السيد

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى