لاحق

تجارب

سابق
 
 

 

مقالات

سيمياء العنوان

د. بسام موسى قطّوس

مطبعة البهجة/ بدعم من وزارة الثقافة ـ عمان ـ الأردن

 

يتعرض الباحث الدكتور بسام قطّوس في كتابه إلى موضوع "عنونة الكتاب" وأبعاده الدلالية والرمزية وذلك ضمن منظور سيميائي؛ ورغم أن الدراسات العربية الحديثة في تحليل النص كثيرة، إلا أن انشغال الباحث بهذا الباب يعدّ قليلاً...

جاء هذا الكتاب في سياق منهجية أكاديمية حول موضوع الدراسة (سيمياء العنوان)، إذ عمد الكاتب إلى دراسة العنوان ضمن بعدين أساسيين هما:

أولاً: التأسيس التنظيري، وقد قدمه الباحث حول المفاهيم والمصطلحات الخاصة بالسيمياء منطلقاً من التسمية لهذا العلم ودلالة هذا المصطلح والذي جاء بشيوع مصطلحين أساسيين يشكلان مدرستين متوازيتين: الأول هو مصطلح (Semywlogy) للعالم اللغوي السويسري فرديناند دي سوسير والذي اعتنى بفاعلية العلامة وتوظيفها في الحياة العملية خاصة في عملية الاتصال خاصة علم اللغة وبذلك نقلها من منظور فلسفي إلى حقل الدراسات اللغوية. أما الثاني فكان (Semiotics) للعالم الفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بيرس الذي يعرف السيميوطيقا وفق أبعاد ثلاثة: بعد تركيبي، وبعد دلالي، وبعد تداولي.

وكما أخلص في تعريفه لأطر السيميائية بشكل عام فقد عمد أيضاً إلى طرح تأسيس حول سيميائية العنوان بدءاً من الدلالة المعجمية للعنوان. إذا يصبح العنوان سمة الكتاب أو النص، ووسما له وعلامة عليه وله، كما أنه يعود إلى القصدية التي قد تؤدي إلى مرجعية ما: ذهنية أو فنية أو سياسية أو مذهبية أو أيديولوجية.

يوصلنا ذلك إلى سيميائية العنوان بوصفه بنية مستقلة ذات علامة تواصلية ما، بين النص والقاري.

ويعرض الكاتب لرأي أندريه مارتنيه الذي يرى أن العنوان بشكل مرتكزاً دلالياً يجب أن ينتبه عليه فعل التلقي، بوصفه أعلى سلطة تلق ممكنة، ولتميزه بأعلى اقتصاد لغوي ممكن، ولاكتنازه بعلاقات إحالة (مقصدية) حرّة إلى العالم، وإلى النص، وإلى المرسل.

وبالتالي فالعنوان يشكل لحظة تأسيس وعي لدى القاري، وبالنص يتم تثبيت/ أو كسر هذه اللحظة (فخلف العنوان، والأسطر الأولى، والكلمات الأخيرة، وخلق بنيته الداخلية وشكله الذي يضفي عليه نوعاً من الاستقلالية والتميّز، ثمة منظومة من الإحالات إلى كتب ونصوص وجمل/ فوكو)، أي ما يجعل العنوان نصاً يتعالق بطريقة مباشرة أو خفية مع النصوص الأخرى والتي حددها الكاتب في خمسة أنماط.

 

  1. التناص والمقصود به تلاقح عبر المحاورة والاستلهام.

  2. المناص أو النص الموازي. ويقصد به كل ما يخص عناوين النص وعناوينه الفرعية، والمقدمات والذيول والصور وكلمات الناشر.... الخ.
  3. الميتانص: وهو علاقة التعليق الذي يربط نصاً بآخر يتحدث عنه دون أن يذكره أحياناً.
  4. النص اللاحق: ويكمن في العلاقة التي تجمع النص (ب) كنص لاحق بالنص (أ) كنص سابق وهي علاقة تحويل ومحاكاة.
  5. معمارية النص: وهو النمط الأكثر تجريداً وتضمناً، إنه علاقة صمّاء، تأخذ بعداً مناصياً، وتتصل بالنوع: شعر، رواية، بحث... الخ. (الكتاب ص44)

ثانياً: الجانب التطبيقي، وقد انقسم إلى قسمين:

  1. العنونة في المنجز الشعري.
  2. العنونة في المتخيل السردي.

1ـ العنونة في المنجز الشعري:

وقد حدد رومان جاكبسون الوظائف الشعرية وبالتالي العنوان ضمن هذه الوظائف: الانفعالية، والمرجعية والانتباهية، ثم الجمالية، والميتالغوية...

وقد حدد الكاتب شعرية العنوان بوصفها شعرية موازية لشعرية النص (من حيث يقوم العنوان بدور فعال في تجسيد شعرية النص وتكثيفها أو الإحالة إليها. فالعنوان، فضلاً عن شعريته، ربما شكل حالة جذب وإغراء للمتلقي للدخول في تجربة قراءة النص، أو حالة صد ونفور ومنع. ومن هنا فإن على دارس الشعر الحديث أن يدرك أن العنوان غدا جزءاً من استراتيجية النص، لأن له وظيفة في تشكيل اللغة الشعرية ليس بوصفه مكملاً أو دالاً على النص، ولكن من حيث هو علامة لها بالنص علاقات اتصال وانفصال. إن العنوان عدا علامة لها مقوماتها الذاتية مثله مثل غيره من العلامات المنتجة للمسار الدلالي الذي نكونه ونحن نؤول النص والعنوان معاً) (الكتاب ص57).

إن العنوان وفق هذه الوظيفة الشعرية مرتهناً بشعريته حسب رواية المتلقي للعنوان ووفق تأويلاته التي تبنى حسب تفكيك المتلقي لدلالات العنوان الرمزية، ووفق ترسبات المتلقي وأبعاده الثقافية المختلفة...

وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني دائرية العلاقة بين العنوان ومقصدية الشاعر فيه من جهة وبين المتلقي ورؤيته التأويلية للعنوان من جهة أخرى. فالعنوان الشعري لن يهب نفسه للمتلقي بسهولة الأمر الذي يزيح به عن الأدبية الشعرية، وبالتالي عنصر الغواية والإغراء كما يصرح الكاتب من العناصر الموجهة لعملية التلقي (العنوان، في مثل هذه الحالة، يعمل موجهاً رئيسياً للنص الشعري، يؤسس غواية القصيدة وسلطتها في التعيين والتسمية، أما النواة فتتمركز في وسط القصيدة. وإذا كان العنوان لدى السيميائي بمثابة سؤال إشكالي ينتظر حلاً، فإن النص هو بمثابة إجابة عن هذا السؤال الإشكالي، وذلك بإحالته على مرجعية النص، وفي احتوائه على العمل الأدبي في كليته وعموميته. إنه دليل على كون سيميائي هو النص في حد ذاته، وفوق ذلك يعدُّ مرجعاً يحيل على مجموعة من الدلائل (العلامات) معلناًَ عن طبيعة النص، ومن ثم عن نوع القراءة التي تناسب هذا النص) (الكتاب ص61).

 

وما بين الغواية والمراوغة تقع شاعرية الانزياح الأسلوبي للعنوان ولئن كان العنوان كذلك فقد حمل من تكثيف اللغة وفتنة الغواية ما يجعله يصطدم بأفق التوقع عند المتلقي، وقد أبرز د. بسام هذه الغواية وفق مقارنة في استخدام (أبوناً) وذلك في قصيدتي نزار قباني وأمل دنقل ناقلاً رؤية الشاعرين المختلفة، ففي شعر نزار يصيِّر جمال عبدا لناصر (أبانا):

قتلناك يا حبنا وهوانا

وكنت الصديق وكنت الصدوق

وكنت أبانا

وحين غسلنا يدينا اكتشفنا

بأنا قتلنا أبانا

قتلنا الحصانا

فتبت يدانا.

ويصيِّر أمل دنقل رجل المباحث "أبانا":

أبانا الذي في المباحث نحن رعاياك

باق لك الجبروت. وباق لمن تحرس الرهبوت (الكتاب ص63). 

وفرق بين أب وأب في الواقع: ذلك أب حمل هموم قومه وأمته وأهله، فاستحق هذا الاسم، وهذا حمل أهله إلى سراديب التحقيق، ولكن كليهما وفق الشعر، أبونا.

ويتخذ الشاعر وسائل كثيرة في بروز نصية عنوانه، فهو يتكيء على الموروث العربي الثقافي والأسطوري مما يجعل العنوان نصاً موازياً للنص ذاته، وذلك أثر البعد التناصي الذي يعنيه هذا التنكر من قبل الشاعر أو الخفاء يأتي بوسائل متعددة، ربما كان القناع إحداها (ولعل لجوء الشعراء العرب المعاصرين إلى القناع يعود إلى أسباب سياسية وفنية وفكرية وأسلوبية يتوجها الوعي بأهمية التراث في إضاءة تجربتنا المعاصرة، والتعبير عن الموقف الحاضر من خلال الماضي، ولذا وجدنا إحسان عباس لا يتردد بأن يصف القناع بأنه شخصية تاريخية يعبر الشاعر من خلالها عن موقف، في حين قال عنه البياتي مستفيداً من ت.س. إليوت: إنه الاسم الذي يتحدث من خلاله الشاعر عن نفسه متجرداً من ذاتيته، ومضيفاً على صوته نبرة موضوعية تقريباً، أو شبه محايدة، ومبتعداً عن الغنائية والمباشرة.

إن للقناع إذاً أبعاداً فكرية ودلالية رمزية، وأبعاداً فنية أسلوبية، وأبعاداً أسطورية، لسنا بصدد التفصيل فيها الآن. ويهمنا أن نلاحظ أن الشعراء العرب المعاصرين قد وظفوا القناع في شعرهم بعامة، وفي بعض عنواناتهم بخاصة، فكانت بعض عنواناتهم، بوصفها بنى شعرية مختزلة، تصرح بذلك) (الكتاب ص96).

 

كما اتخذ العنوان في المنجز الشعري أبعاداً أيديولوجية وفق ظروف ثقافية، وسياسية عربية شكلت وعياً وموقفاً عند الشعراء، فكان لا بد من تلبسه بقضايا الإبداع، مما يعني أن الشاعر قد يكثف أدلجته في العنوان، ثم يبثها بعد ذلك في النص كما في قصيدة أمل دنقل (لا تصالح) وهي ذات الموضوع نفسه. وقد يكثف العنوان النص بشكل عام سواء حمل البعد الأيديولوجي أو النفسي أو الاجتماعي كما في قصيدة السياب (عكاز في الجحيم)، بينما شكل جدارية درويش عنواناً للاستحالة. إذ أن العنوان ليس له مرجعية واضحة داخل النص أو خارجه وإنما تبدو هذه المرجعية رمزية بل وممتنعة على القاري إلا على المتفحص الذي يخضع العنوان وعلاقته بالنص لمنطق التأويل، يبدو أن الكاتب استطاع التوصل إليها عبر تحليله للعنوان ومدى انعكاسه على النص الداخلي لدرويش.

2ـ العنونة في التخيل السردي:

لئن كانت العنونة في الشعر تميل إلى الإيماء والمراوغة، فالعنونة في النثر تبدو أكثر إخلاصاً إلى الإحالة والتعيين، فهي قد تعمد إلى الإحالة على حوادث تاريخية وسياسية، إلا أنه لا نستطيع أن نطلق عليها مصطلح (الرواية التاريخية) كما في (مدن الملح) و(شرق المتوسط) لعبدا لرحمن منيف، و(الحرب والسلام) لتولستوى و(بقايا صور) لحنا مينا وغيرها، فهي تنطلق من أحداث تاريخية غير أنها لا تستند للتاريخ كمدونه تسجيلية للحدث ولا تتخذه بحذافيره، بل تبدو رامزة بالحدث لواقع سياسي آخر وهذا التجاور في نظام الزمكانية للحدث والذي ينحرف به انزياحياً عن المفهوم التقليدي للسردية التاريخية للحدث، هو الذي يخرج مثل هذه الروايات وفضاءاتها من مفهوم الرواية التاريخية.

كما ونجد عنوانات أخرى تبدو فيها علاقة العنوان بالمضمون واهية ومفارقة للنص أو لمضمونه. وقد تظل الصلة بين العنوان والمضمون غير محسوسة تماماً إلا للقاري الذي يحاول أن يبحث عن انسجام النص، ولا يكتفي بالبحث عن اتساقه. وهكذا نجد للعنونة وظائف إحالية، وأخرى بنائية، وثالثة دلالية، ورابعة تداولية، وخامسة بصرية أو أيقونية تستغل فراغ محيطها، أو تنوع في الخطوط وألوانها وأحجامها وطرائق رسمها وهكذا دواليك.

ويظل العنوان مفتاحاً تأويلياً يرتبط بالمضمون، ولكنه يبتعد عنه في كثير من الأحيان فيبدو العنوان شكلياً، لا علاقة مباشرة له بالمضمون، وأية علاقة يمكن أن يقيمها المؤوَّل هي علاقة من صنع القاري المثقف ذي الخلفية الفكرية والذهنية المتفتحة) (الكتاب ص119). 

ليلى السيد

23 نوفمبر 2001

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى