لاحق

تجارب

سابق
 
 

 

مقالات

يدٌ في الفراغ

مجموعة قصصية للقاص أحمد حمد النعيمي

دار أزمنة ـ عمان ـ ط 2000

 

ينفلت بنا القاص عبر قصص المجموعة (ستة عشر قصة) من الواقع إلى البعد الرمزي والسريالي، والذي به يفكك دلالات ورموزاً واقعية إلى متنفس أكبر، ومشهد يزيح به نسيج الواقع، وتراكماته وربما سخط الكاتب منه إلى أشكال متفاوتة ومتباينة، يسقط القاريء من خلالها في الفراغ، إذ تلعب يداه ومخيلته بأحداث وشخوص الكاتب، والتي تنسج سرديتها من المعقول إلى اللامعقول......

ونلاحظ مظاهر هذا التجاذب في المجموعة كما يلي:

          1.          سؤال يخرج من عقل السارد، ماذا لو كانت القطة أرنباً، هل كانت تستطيع أن تتحرك بحربة؟ ويبدأ تعامل الآخرين مع الفرضية، التي ما لبثت أن فجرت من رأس السارد أرنباً تتقافزن على الطاولة.

          2.          الشاهد على السرقة حمامة برية، ترقد خلف زجاج شباك السارد، وتتعرف على السارق من خلال الصورة التي تظهر فيها سفينة مكتظة بأناس بلامح وميناء متجهم.

          3.          السارد وصديقه داخل مشيمة رحم، وبيان رحلتهما لاجتياز الحبل السري، إلى رحم مدينة تشكل متاهة دون تخوم.

          4.          السارد يستقبل زائراً من النافذة، يفتش عقله قامعاً للأسئلة التي قد تخرج منه.

          5.          مشاهدة السارد للمباراة التي نرى لاعبي الفريق المؤيد، هم أنفسهم من يدخل الأهداف في مرماهم، مما يجعل السارد والمقهى والحضور يصابون بالرجفة.

          6.          أناس رؤوسهم كالممحاة يجهلون بيوتهم وأسماءهم وبلادهم.

          7.          السارد يجري عملية لاستئصال قلبه الذي يشعره بألم حول أي بؤس أو ظلم أو قهر للآخرين، ليتحول بعدها إلى ذئب أليف.

          8.          السارد بسفينته في قلب المرج يبحث عن تعريف للجوكر الذي يتخذ أشكالاً إنسانية وحيوانية وتوصيفات ايجابية وسلبية.

          9.          مشكلة رجل اختفي وركه ويبحث عن توصيف معجمي لحالته التي امتدت للآخرين.

        10.        صناعة الدمى التي تتحول إلى تشكلات إنسانية بحيث تصنع دمية تصبح البديل، المجابه للإنسان المراد تدميره، أو محاربته، وأطلق عليها اسم (الصدمة) التي ما لبثت بكل تنويعاتها إلى الوصول إلى مكب النفايات لتبدأ عملية حوارية فيما بين الدمى من أجل الانتقام.

        11.        السارد لا يرتدي ثيابه إلا إذا تثاءبت وارتدته، وبيان نشوء مجتمع المتثائبين وانقسامهم إلى طبقات علوية وسفلية.

        12.        السارد يمتهن عدم النضج حتى لا يصبح جاهزاً للأكل.

        13.        السارد يتتبعه أسد في الشارع، يتأهب للهجوم والانقضاض عليه، يتحول بعد ذلك الأسد إلى كيس بلاستيكي تعبث به الريح.

        14.        السارد نسراً يحاول الاقتراب من السماء التي ترفض اقترابه منها، فتنشب حرب ضروس بينهما.

        15.        السارد أعمى يرمي عكازه قانعاً أن العالم لا يتسع لخطاه وأنه كائن تتوه فيه الصحراء ولا يتوه.

 

إن البنية السردية في قصص الكاتب تبعدك في مجملها عن المعنى التقليدي لها، فهي نتاج دلالي متعدد توصلك تراتبيته السردية، وحواره المختزل إلى خلق الفعل القصصي، دون أن نقف على بنية الصراع بشكله المعهود، بقدر ما نقف على دقة وصف الكاتب وسرديته ذات النفس البطيء، والذي يجعلنا أمام اختزالية الصورة الشعرية، واللوحة التشكيلية الحديثة. هذا على مستوى الحدث أو الفعل القصصي؛ إلا أننا نرى هذا النسيج على مستوى اللغة السردية، والتي تداول فيها الكاتب المفردات التي توحي بالغرابة، والإيحاء الرمزي، والتي شكلت الخطاب الحكائي في قصص المجموعة. نرى ذلك متجلياً في قصة (مداد الأعمى):

رمى عكازه، ثم أقنع نفسه بأن العالم لا يتسع لخطاه، وأنه كائن تتوه فيه الصحراء ولا يتوه.

قال: العالم لا يكفي.

قال تلاميذه: ليتنا نرى.

قال: ما حاجتنا لعيون لا ترى الوجع ولا تطفىء الألم؟.

قالوا: لكن الدنيا ـ يا شيخنا ـ بلا عينين أضيق من خرم إبرة.

قال: في الحالين هي كذلك، غير أنه قد يولد من رحم العتمة ضوء.

 

قالوا: أمتفائل أنت ي شيخنا أم متشائم؟.

قال: لست متشائماً، لكن القبض على وجع الإنسان قدرنا.

قالوا: لكن المبصرين يعيشون نصف الوجع. 

وكذلك في قصة (شتات النفق اللامرئي):

 (مشيمة واحدة تجمعنا، وبالتالي رحمٌ واحد في نفقٍ واحد، في مدينة واحدة، حسبنا في البداية أننا حين نخرج إليها سنجدها عامرة بالأضواء والحياة.. لم تكن المشيمة معتمة تماماً، فثمة خيوط ضوئية تتسلل إليها من داخل الرحم وخارجه، غير أن تلك الخيوط غالباً ما تتجمع في أقصى ركن من المشيمة، مما يضطرنا للزحف نحوها.) 

هذا التداول في المفردة السردية، حمل بعداً غرائبياً، شكل الفعل الدرامي لقصص المجموعة، فنراه في قصة (المتثائب) يبلغ أوجه في تركيبته الرمزية، وبثّه للصورة السريالية من خلال لغة السرد؛ (ذات مرة تثاءب الحائط فارتداني، وذات مرة تثاءب أخواني فارتدوني، وذات مرة تثاءبت عشيرتي فارتدتني، أما الشمس فحين استيقظت في الصباح ووجدتني نهباً لكل أولئك سارعت إلى خلعي، وفي الدورة التالية حذا القمر حذوها).

هذا التواتر بين الواقع والمتخيل اللامعقول والذي زخرت به أحداث المجموعة، والغرابة التي قد طالت كل القصص ليقع المتلقي أمام حيرة التلقي لهذا الكم من اللامعقول والتفسير له. ورده إلى المعقولية بالشرح، عن طريق الارتداد إلى نسيج واقع الكاتب، ومقتضيات رؤيته للحياة الاجتماعية والسياسية، والإنسانية بشكل عام.

ورغم خروج لغته عن الحس الشعري، أعني الانزياح بالمفردة السردية إلى التكتل الشعري لها، والذي نرى حضوره متجلياً في الكتابات الشابة بشكل خاص. غير أن تخطيط الكاتب لشخصياته، قد أخذ أشكالاً مختلفة الإيحاء والدلالة، بل إنها تبدأ بالفاعلية الإيجابية في الحضور، وتنامي الفعل القصصي معها، ما تلبث أن تتماهى وتدخل في بعد سلبي لعالم الخطاب الموجودة فيه، حتى توصلك في النهاية إلى فجيعة العدم، الفراغ أو الضياع، أو الخوف، من ذلك ما نراه في قصة (الممحاة):

 (ذلك الرجل ما إن وقف قبالتي حتى قال لي بواسطة رأسه الممحاة: هل تصدق أنني لا أعرف كيف أعود إلى بيتي.. فسألته عن اسم المدينة التي يسكن فيها، ثم عن اسم الحي الذي يسكن فيه معتقداً أن استدراجه في الإجابة يمكن أن يوصلني معه إلى نتيجة، فأجابني بأنه لا يعرف. سألته عن اسمه، وعما إذا كان متزوجاً أم لا.؟ سألته عن مهنته، عن مكان عمله، لكنه لم يكن قادراً على الإجابة عن أي سؤال من تلك الأسئلة التي طرحتها عليه، فأوقعني في حيرة ما بعدها حيرة). 

 

تلك هي حالة الشتات، فإحالة الممكن من شخصيات وأزمنة، وأمكنة داخل النص إلى التنكير، أو عدم المعرفة، والتي نراها متجلية في القصة السابقة (الممحاة)، إذ عنصر التحول والنسيان الجماعي، الذي يسقط بهالته تدريجياً على الشخصيات الهامشية، وما يلبث أن يتصاعد بالفعل الدرامي إلى الشخصية المحورية السارد/ الشاهد على حالة الشتات والتشظي، بل إنها تسقط أيضاً في بنية الزمان والمكان؛ فنرى الزمان مغيباً قصدياً من القصة، فهو غير محدد أو معروف:

 ( كان يعتقد أن بيته في جبل النصر، وحين ذهب إلى هناك اكتشف أن بيته في الأشرفية، فعاد إلى الأشرفية ليكتشف أن بيته في المريخ.. وفي المريخ قالوا له: إن بيته في جبل اللوبيدة. و في جبل اللوبيدة أخبروه أن بيته في جبل النزهة، وعندما ذهب إلى جبل النزهة قالوا له: إن بيته في (حي أبو نصير) وخلال كل تلك الرحلة الطويلة لم يستطع أن يهتدي إلى بيته، وأخبرني أنه ما يزال يسأل للآن).

 

وهكذا فالمكان في تعداد السارد له، قد تحول من مصدر معرفي ومحدد إلى هامشي في ذاكرة المتحدث معه من الشخصيات الأخرى.

أن الشخصية الرئيسية في كل نصوص المجموعة تقوم بوظيفة مزدوجة: تمثل بطل الحكاية، وراوياً في آن واحد، دلّ على ذلك ضمير المتكلم الذي شغل المجموعة كلها، فأصبح عين عصره وشاهده؛ على أن الغموض لا يكتنف الشخصية الرئيسية فقط، ولا حتى البعد الغرائبي للشخصية وتحولاتها، بل هو يشمل أيضاً الشخصيات الهامشية مما يشكل السيرورة السردية للفعل القصصي.

وأخيراً فالكاتب عبر واقعه المرعب والغريب قد شكل أمام المتلقي لوحة تتماهى فيها الوظيفة الدلالية بكل أبعادها في أبعاد زمنية ممكنة الحدوث، أو عدمه. وهذا التنافر أو المفارقة أحسبها الدعامة التي ميزت تجربة الكاتب فإحساسنا بعنصري المفاجأة والدهشة أعطتنا شعرية حقيقية للسرد العربي، التي أشعر أن السرد قد بدأ يبتعد عنها بشكل ما.

ليلى السيد

7 مارس 2002

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى