لاحق

تجارب

سابق
 
 

 

مقالات

العولمة والتربية

قراءة في واقع التربية ومستقبلها

ضمن مفهوم العولمة

 

استطاعت العولمة هذه المنظومة الفكرية الغربية، أن تثير إشكاليات فكرية، وقراءات مختلفة على الأصعدة الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، سواء في العالم العربي أم العالم أسره، ومما خلق لها هذا الزخم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي المصدرة لها، فقد ظهرت بداية فيها وجاءت كلمة (GLOBALIZATION) والتي تقتضي تعميم الشيء، وتوسيعه ليشمل الكل بمعنى (جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي ينأى عن كل مراقبة. والمحدود هنا أساساً الدولة القومية التي تتميز بحدود جغرافية وبمراقبة صارمة () أما اللامحدود فالمقصود به (العالم) أي (الكرة الأرضية). (1)

والمخاوف كلها تنصب حول (أمركة) العالم، وسيادة ثقافة أمريكا دون الثقافات الأخرى. ومع نزعة التمركز حول الذات التي عرفت بها سيصبح هناك هيمنة وسيادة أمريكية فوقية تبسط على العالم، فإذا ما نظرنا إلى كونها ذات مشروع حضاري مكتمل النمو، بل يكاد يصل إلى غايته، فيصبح هو المثال للأنموذج المعاصر كما يصفه (فوكوياما)، بينما تتهيأ الأمم الأخرى لصياغة مشروعها الحضاري وبنائه. ومن هذا المنطلق وأمام كل ما قيل وما سوف يقال عن العولمة شكلت الأمم (حائط صد) تتقولب فيه وهو (الرجوع إلى الماضي والتمسك بالهوية والتراث) أو (العودة إلى الذات). وهذا ما أكدت عليه وبشدة التجمعات الثقافية العربية، فقد طرحت في السنوات الأخيرة إشكالية العلاقة بين العولمة والهوية ومن هذه الندوات: ندوة "العولمة والهوية" الرباط، أكاديمية المملكة المغربية، أيار - مايو - 1997م. وندوة "العرب والعولمة" بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ديسمبر 1997م. وندوة "العولمة والحفاظ على الهويات الثقافية والإبداع والسياسات الثقافية" باريس، اللجنة الوطنية الفرنسية للتربية والتعليم والثقافة، كانون الثاني - يناير - 1998م. وندوة "السياسات الثقافية من أجل التنمية" استوكهولم، اليونسكو، آذار - مارس - 1998م. وندوة "العولمة وقضايا الهوية الثقافية" القاهرة، المجلس الأعلى المصري للثقافة، نيسان - أبريل - 1998م. وندوة "الفرنكفونية والعولمة" بيروت، نيسان - أبريل - 1998م. (2)

وهذه المنتديات كما يقول الأستاذ زكي الميلاد (لا تقدم فهما وتعرفاً واستكشافاً للعولمة بقدر ما تقدم تهويلاً، وكأنها تصف شبحاً قادماً من عالم غريب خارج كوكبنا الشمسي). (3)

وبالتالي فقد شكل هذا التقولب وهذه الخصوصية في جوهرهما هروباً من اللحظة الحضارية الراهنة التي فرضها الآخر لعدم وجود ما يقابلها في الثقافة العربية؛ بل إننا نرى الكثير من مفكرينا مازالوا يبحثون في السياق مصطلح العولمة ومدى صحته أو قبوله داخل السياق اللغوي. أما البعض فيقف من التراث موقف الانتقاء الدارويني ويرى ضرورة غربلة التراث وخسارة جزء منه ثمناً للتطور (نخسر الكثير من الكتب الصفراء التي لا معنى لها، نخسر الكثير من الهوامش والمتون، نخسر الكثير من التاريخ الرسمي المكتوب من وجهة نظر مؤرخ الحاكم وبالعودة إلى ما كنت أقول فان اليابانيين كانوا معجبين بما يحدث في مصر أرسلوا إليها بعثة للوقوف على ما يجري فيها لكن الآن حينما نتطلع إلى أين صارت اليابان وأين صارت مصر وأين صارت المنطقة العربية يخطر على  الذهن قضية التراكم فعندنا في العالم العربي قطيعة فكل مرحلة تبدأ بداية جديدة ولكل مرحلة شعارات ومرحلة الشعارات لا تخدم في أي وقت). (4)

وبالتالي هو يعزز اللجوء إلى التراث من أجل فهمه وقراءته، قراءة من شأنها أن تعين المفكر العربي على خلق آلية تؤهله لجعل هذه الثقافة ذات عناصر إيجابية وفعالة في ثقافة هذا العصر. والسؤال الذي يطرح نفسه .. هل نحن خارجها ويقترح علينا الأخذ بها من عدمه أو تفهم الظاهرة ثم تفتيت ماهيتها  ومحاولة أخذ ما يتوافق ومشروع الفكر العربي المفترض إعداد آليته ونسقه؟ أم نحن نندس بين طبقاتها عبر ثورة الاتصالات، سواء الأقمار الصناعية وما تبثه من قنوات وما أحدثته من تعميم لأنماط الحياة الاجتماعية الغربية، أو الأمريكية، والتي بدأت تتسرب بشكل أو بآخر إلى شبابنا وأجيالنا القادمة، أو من خلال الإنترنت وعبر المشتركين فيه من الشرق الأوسط الذين يقدر عددهم نحو نصف مليون حسب بعض التقديرات، وهم بذلك يدخلون (كونية السيبرنيتي) كما يصفهم الجابري، حيث لاوطن ولا حدود، بل (أمة العولمة) وهو (عالم المؤسسات والشبكات، عالم - الفاعلين - وهم المسيرون والمفعول فيهم - وهم المستهلكون). (5)

والإشكالية الموجودة لدينا هي شكل مؤسسات المجتمع المدني في إطار التطور والتفجر المعرفي، فمن نطاق الثقافة وتحديات العولمة فيها، تتشكل قراءتنا للتربية ضمن هذه التحديات والتي تغزو قالب وجوهر التربية وذلك بتحويل وسائل التكنولوجية من سمعية ومرئية، وهي التي كانت مجرد عامل مساعد إلى خلق تفاعل صفي بين الطالب من جهة، والمعلم وموضوع درسه من جهة أخرى، باتت الآن تشكل محور العملية التعليمية، وهيمنة العولمة التكنولوجية داخل التربية، سواء كغاية تعليمية مقررة ومطلوبة داخل سياق المنهج والدراسة، أم أنها وليدة اختيار الطالب كمردود طبيعي ونتاج عصره، بل بات على المعلم أن يتخذ لنفسه الحيطة والحذر من أن يفقد علمه مقابل سعي الطالب خلف هذه العولمة، وبالتالي عليه أن يزيح أميته وعدم معرفته بموارد الثقافة والتطور الحالي بنفسه وبإيعاز من إدارته عن طريق الدورات وورش العمل الخاصة بذلك.

وإذا كنا بصدد التحدث عن مشروع حضاري وفكري للأمة العربية، وإذا كان البعض يطالب بهوامش من الحرية للمثقف  والإنسان العربي .؛ فالمطلوب والحال هكذا وسرعة المتغيرات التربوية والتي تكاد تكون عصب المجتمع المدني كأبرز مؤسسه تربوية تعليمية وثقافية، أقول المطلوب هوامش من الحرية للمعلم وربطه برسالة التعليم كلها (المنهج ---- الإدارة ---- القوانين التربوية) وذلك بوصفه المرسل لهذه الشفرة وبالتالي عليه هضمها والاقتناع بها، كما أن العولمة تقتضي من المعلم غربلة الكم وإلحاق الطالب بالكيف وذلك في إطار خلق ثقافة عامة لدى الطالب تعنى بوضعه ضمن مهارات معرفية معينة (كأن يقرر مقرر ثقافة عامة لطالب المرحلة الثانوية). ومنه بات من الضرورة بمكان المطالبة بخلق البحث التربوي، والعلمي عند المعلم والطالب.

وإذا كان والحال هكذا، فالأمر يتطلب مراجعة بحثية بذكاء إداري لمسألة نصاب المعلم، ومسألة ربطه بمفهوم عدد ساعات الموظف الآخر في القطاع الحكومي..!!  فالمدرسة تعد آلية مستقطعة من الجهاز الحكومي، وذات وضع مختلف عن وضعية المجتمع بشكل عام، فالمسألة لا تشكل نصاباً أو عدد ساعات فحسب، وإنما هي حالة تربوية بحتة، تتبلور أطرها عبر خلق مناخ تعليمي تربوي سليم بين أطراف هذه الرسالة (المعلم + المنهج + التلميذ ---- الكل ---- المدرسة بوصفها الجهة التنفيذية لقرارات الوزارة). وأيضا بعث روح إبداعية بينهم ……

وإذا كانت المسألة هي عدد ساعات، ولا أعتقد أن في العالم من يبقى طوال ساعات يومه مشغولاً وأعباء عمله إلا المدرس، الذي أصبح رهين ساعات الدوام وما اتصل بها من تدريس وإرشاد، وما يستجد عليه من أعباء مدرسية كالأنشطة واللجان والاجتماعات وكلها خارج الحسبة .!! وبين واجبات التحضير وتصحيح البحوث والكراسات كواجبات منزلية. وهل على الموظف الآخر ما على المدرس من ضغوط أقلها تلك المتصلة وعلاقته النفسية والسوسيولوجية بالطالب!!

وتبقى التعددية والشمولية، هي المفهوم الأوسع للعولمة وبالتالي فالمتطلع له مستقبلاً انفتاح أجهزة الدولة من وزارة الإعلام ووزارة العمل ووزارة المواصلات المتمثلة في (بتلكو) على بعضها البعض ليس كقنوات وصل وربط وإنما قنوات اندماج وتكاتف، فيجب مشاركة وسائل الإعلام بخلق برامج تثقيفية للطالب تتعلق وما يأخذه في دروسه مما يشكل مرجعاً مرئياً للطالب، يدعم المعلومة المطلوب إيصالها، كما تقوم (بتلكو) متحدة مع وزارة التربية بخلق أنظمة تربوية على شبكة الإنترنت من شأنها مساعدة الطالب منهجاً وبحثاً، وإبعاده وما يفسد ذوقه وهويته.

وخلاصة الأمر، فإن للعولمة نسقها المعرفية والثقافية والتربوية التي إن تمكنا من هضمها وخلق ما يوازي هذه الأطر في جو من الحرية وإنكار الذات، وهنا نكون بدأنا بصهر بوتقة الحلم وما نرجوه ونأمله كواقع غد أفضل.

 ليلى السيد

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى