لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

دفء امرأة يجوس في خلايا جدران المنزل!!
بقلم: علي الستراوي

في باكورة اصدارها الأول المسمى (مررنا هناك) ليلى السيد تستحضر اجواء المكان وتهز منز القصيدة في دائرة الحيز المكاني والزماني، كأني بها تؤكد مقولة الناقد، د. حسان عباس عندما أشار في كتابه (اتجاهات الشعر العربي المعاصر) وتحت معنى: (دراسة الشعر لا يمكن أن تعتمد على المحتوى، فالشعرية لا تنبع من المحتوى، بل تنبع من الجو المكاني والزماني، والنمو العضوي، واستخدام المنلوج الداخلي). هذه الرؤية للدكتور احسان عباس فرضتها ابعاد المفردة الشعرية التي يشدد عليها عباس في دراسته للشعر.

وأمام مفردة ليلى السيد ارى انها لا تنفصل لحظة عن المكان، فهي في حدود جغرافية المكان امرأة يثيرها الهجس الحنون نحو فرضية المكان المتشكل في ابعاد المحب والمحبوب، هذا الحنون الذي يفيض دفء ورائحة، تساكنه المشاعر كأي امرأة ترى الهدوء عبر ابعاد، مكانية لا تنفصل عنها وهي ليس لها قدرة الانفصال عنه:

لا الهواء صاغني

ولا الرائحة

أنت.. أنت

اهبك الخرافة

وتهديني

حكاية نومي الطويلة. 

إذا شيئا فشيئاً تستجلي صورة المكان الذي يفيض من حنانه الشيء الكثير، مما يجعل من المفردة وجها زمنيا تحدده الفترات الجميلة التي هي في حلم حكاية المحب والمحبوب الذي يشكل وحدته من المتغيرات والثوابت، ما يجعل الاجواء أكثر حنينا وحميمية:

من قائمة الفوضى

تعبر وفنجانك زمني

مساء من الانكسارات

مساء من رعشة الرحيل

وجبن البقاء

هل تسمعك الأنين

زرقة حلمي؟ 

المشهد يرسم حدود فضائه المرتبط بذاكرة لا تنفك لحظة عن صيرورتها، وليس بستطاعة الذاكرة سوى وضعها في حالة من الكمون، حالة لا يعرفها سوى الملهم الذي يذوب بطيئا على حرارة الجمر، وفي هذه اللحظة تتشكل ملامح المكان وتتحدد معالم الزمن. وكل هذه الملامح ليس بستطاعتنا التعامل معها في ظل غياب الرؤية البصيرة وليس المبصرة وذلك لشدة الامعان الممكن استشرافه في العمل البنائي وكل هذه النوافذ من المكن الاقتراب منها لحظة ولادة النص.

حالات مكانية وأخرى وقتية:

عندما عنونت هذه الرؤية في مجموعة ليلى السيد (دفء امرأة يجوس في خلايا جدران المنزل) كان القصد من هذه العنونة ابراز ما للمكان والزمان من تأثير سيكلوجي برز واضحا في نص السيد، برغم ان هذه اولى تجارب الشاعرة مع الاصدار، الا ان السيد استطاعت ان تحمل مفردتها لغة المكان والزمان والمكان يتمثل في (المنزل) والزمان (اوقات اشار لها النص بالزمن) واستجلاء الصورة نراها بارزة في أكثر من مشهد من مشاهد نصوص المجموعة:

حين اوصد جدران البيت

على بقايا جسدي (اشارة مكانية) 

هنا الشاعرة حددت المكان في وضعية البيت، وفي بعد آخر تشير له برؤية أخرى: (في خلايا جدران المنزل) وهنا يتضح الدور الجدلي في شكل العلاقة التي كونتها الشاعرة بالمكان، علاقة تعرفها كل امرأة.

وفي العلاقة الاخرى وهي (الزمان) نرى الشاعرة تشكل فضاءها في لغة اقرب للمكاشفة من البوح الذي تحدده مفاصل القصيدة من الزمن في تجليه وهي بصيرة فيها نوع من الجرأة والمكاشفة غير المعتادة في ابداعات المرأة الخليجية ما عدا ما ندر قرأناه في نص الشاعرة الكويتية: (عالية شعيب) ونص القاصة الكويتية: (ليلى العثمان) وابعاد جدلية اخرى شكلتها القاصة الروائية البحرينية: (فوزية رشيد) وكون الشاعرة قد تجوسقت بالوقت وهي حدود (الزمن) يكون الوقت معادلة تقترن بالزمن وهذا البعد نشير له كالتالي:

امنحني وقتا (اشارة زمنية)

اقتات فيه

لذة الطفولة

وعناق السفر 

المشهد الذي اشرنا له في لغة الوقت، هو زمن أكثر انفتاحا على واقع المرأة وهذا الشق يقودنا نحو الاشارة التي وضعت فيها الشاعرة لغتها الجريئة:

ذاك جسدي.. شهوة..

تنداح في مرايا النار

وتلك روحي

تتكسر في زوايا الحريق.. رمادية

تفترش الليل الاقحواني،

واللهب الشجي

حرفية تتشابك بينهما

جذوة عشق،

ورغبة الحرائق

تنفتح الشهوة 

والغميق من البعد الجميل، ان الشاعرة استطاعت ان توظف ما يختزن بداخلها من تأجج نحو تفجير المكبوت الى واقع دون ان تلتفت الى الجهة الأخرى التي تحاول عصرها في دائرة من الكبت الذي مراده الانتصار على لحظات البوح العفوية عند المرء، وهذا في رأيي انتصار ناجح في اولى تجارب الشاعرة، نحو تشكيل نص لا ينظر للخلف بل الى الامام وهذا ما يدعوني ان اشير الى التجربة وهي الأولى للشاعرة ناجحة استطاعت ان تبعد بتفردها عن مجاورة الظل الذي عهدناه في تجارب عدة للشاعرة الخليجية.

وأخيرا اشير الى ان مجموعة ليلى السيد الشعرية صادرة حديثا عن (ادارة الثقافة والتراث الوطني، وزارة الاعلام) تحت مسمى (الاصدار الأول) تشجيعا للمواهب، بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

ويبقى ان اؤكد ان كل فضاءات النص عند ليلى السيد مشغولة ببوح آخر لم تكشفه الشاعرة واعتقد، بأن التجربة القادمة ستضعنا الشاعرة أمام نص آخر يكون مكملا لنصوص هذه التجربة. وسيظل (دفء المرأة) مرهون بأجواء المنزل والعلاقة التي يشد في رباطها رجل يسمو بهذا الدفء.

جريدة "الأيام" البحرينية في 7 فبراير 2004

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى