لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

»اليوم الثامن«

في عزلة ليلى السيد.. مـذاقاتٌ لا تخطئها المـرأة

فاطمة ناعوت:

 ‘’نساءُ قريتي/ يمشّطن سعفَ النخيلِ/ يضفرنه/ بعذوبة المواويل/ يبعدن البحرَ/ عن صخب المتألمين/ يمنحني/ فراشاتٍ ليلية/ لنهار يبلل شفتيه/ بكأس الحكاية’’. هكذا تفتح الشاعرة البحرينية ليلى السيد ديوانها الجديد ‘’مذاقُ العزلة’’، الصادر عن دار ‘’فراديس’’ للنشر والتوزيع بمملكة البحرين، لنعرف أننا بصدد حكائية ترويها ذاتٌ شاعرة، على الأغلب امرأة، في حال من العزلة والتأمل الدائم بعيدا عن صخب العالم. لن يتأكد هذا الزعم من الإهداء وحسب، حيث تقول ‘’له عندما يغلق صندوقي على حكاية العلوية الصغيرة. لها حينما تسكر بغنائها وحيدة.’’ بل كذلك عبر الغلاف الذي صممه الفنان البحريني حسن حداد، حينما التقط الفكرة من متن الديوان ليقدم لنا جسدًا متشرنقًا لطفلةٍ تقبض بكفيها على ساقيها وتمسك بأناملها وردةً. وكأنما استبدلت الوردةَ بالعالم بأسره. رأسُ الطفلة غير موجود في لوحة الغلاف.

وهنا لمحة ذكية من مصمم الغلاف. فالرأس والوجه يعيّنان الشخصَ ويعطلان تعميمه وشموليته. والفنان لا يريد للمعنى أن يُختصر ويقزّم في الحدود الضيقة لشخص واحد بعينه. ولذا فعدم تعيين الطفلة سيجعلها تغدو كل أطفال الدنيا، بل تغدو كل إنسان في هذا العالم يعيش في حال من العزلة والاغتراب والتشرنق.

وكما جمع العنوان بين مفردتين لا يجمعهما معجم واحد، إحداهما حاسة: مذاق، والأخرى من قاموس التجريد: العزلة، ما يخلق مجازا من المجاورة بين الأضداد مما لا يجتمع، أو الجمع بين المجرد والمتعيّن المحسوس، سنجد كثيرا من شعرية ليلى السيد تتكئ على ألوان من المجاز قريبة من هذا النحو. مثال ‘’رذاذ التقاويم- محرقة الوقت- زمن الرؤيا- شباك الساعة- وخزتها المرايا- الخ’’.

الديوان مقسم إلى مجموعة من ‘’المذاقات’’ الوجودية والشعرية: مذاق أنثوي- مذاق الذهاب - مذاق الحب - مذاق الحرب - مذاق العزلة، حسب الترتيب الذي اختارته الشاعرة في الديوان. فهل يشي هذا الترتيب ‘’المذائقي’’ بسلسلة كرونولوجية تحكي الحكاية بفصولها كما ارتسمت عبر الزمن؟ منذ معرفة الأنوثة ‘’التي بكرتْ’’، ذهابا إلى معرفة الذهاب إلى الحب، ثم معرفة الحب ذاته، مرورا بمعرفة الفقد والفرقة، وانتهاءً بقرار العزلة واجترار مذاقها المرّ قطعا ولا شك. ربما. لكن الأكيد أن صوت الأنثى في القصائد أقوى وأوغل وأعمق رنينا وأطول صدىً من أن يمرَّ القارئُ عليه دون توقف. لدينا الأنثى الشاعرةُ التي تكتب النص، والأنثى المكتوبٌ عنها النص. بدءًا من التصدير ‘’التي رضعت من حليبي/ جاءتني بجدائلَ مسبوكةٍ/ بلون الفجر/ وحبيبٍ يحترف الغياب.’’ ثم ‘’نساء قريتي- نساء موطني- نون النسوة- أؤثث الصباحَ بطعم أنثوي- هذا الصباح كنتُ أنثى تدّعي خلق الكلمات- وبشّرِ الشاعراتِ بتفاحةٍ- وحيدةً تتعجلين خطايا نهارك دون فضيلة ليلك- يتخذونني أمًّا وإلهة، وينسون أنني أنثى- مدرسة الطالبات- وغيرها. على أننا لئن وقفنا على نزعة الأنوثة بالقدر الكثير، سنقف كذلك على منزع الطفولة بالقدر نفسه. وها يكتمل قوس الجمال الوجودي. فالأنثوية كمبدأ فلسفي ينتصر للجمال والعدالة والرحمة والخير في الوجود، لا شيء يباريه جمالا سوى الطفولة بنقائها وبراءتها وبياض صفحتها ونصاعة حتى الخطيئة فيها.

في القسم المعنون بمذاق الحب، تصدّر الشاعرةُ قصائدها بهذه العبارة ‘’أيها الحب/ أمنيتي/ أن أراكَ طفلا/ يبيع الوردَ/ على رصيف مدرسة البنات’’. وبعيدا عن الصورة الشعرية الجميلة، فإن الجمع بين: الحب-الطفولة- الورد- المدرسة- البنات، يخلق معجما طوباويا ويرسم عالما عذبا من مفردات الجمال. ثم تأتي أولى قصائد المجموعة ‘’أغني لإشارةٍ حمراء’’، لتقول ‘’بيني وبين المدرسة/ إشارةُ ضوء وحيدة./ إشارة تفتت صباحات الشوارع/ وهكذا/ كلما دنا الطابور/ دنت الأقدام المتمردة/ وضعنا إشارة حمراء/ زرعنا الإشارات وحمّرنا عيونها/ كرموز رحيل الأرباب/ بهداياهم خائبين./ دورة صباح/ رغبتي كسلى/ صوتي يبحث عن هواء صاف/ عن هبوب ضحكاتهن أحيانا/ عن تناس يبادر الورق/ استلالٌ خفيف/ بخفة وجه سمية ومي/ وعلياء وعبير/ وجوه زينب وزهراء/ وتلميذات الدرس الأول/.../ فما عدت أرى/ في اللغة غصنا وبحرا/ ولا سفينة ترفع أقدامهن/ عن حوض يبقبق/ لأن ضفدعة تتوسل هواء صافيا/ تتوسل هبوب البنات/ على وجه الماء/.../ أخرج رأسي ضاجا بجرس المدرسة/ شكرا/ مازالت الإشارة مجرد ضوئية/ فهل ستوصلني/ بهدايا الأرباب/ يا آخر اليوم؟’’ الشاعرة تستعيد صوت طفولتها وعينيها اللتين كانتا تريان في دوائر إشارة المرور عيون آلهةٍ غاضبة لأن مخلوقاتها لم يقدرون هداياها إليهم. والطفلة تكبر. وتكبر عيناها لتريا الأشياء بواقعيتها. الواقعية التي عادة يفر منها الشعراء. ولأن هذه الطفلة ستغدو شاعرة فإنها لا تحب عينيها الجديدتين. لا تحب هاتين العينين اللتين لم تعودا تريان في اللغة غصنا أو بحرا، بل مجرد وسيط حكائي بين البشر، تلك العينين اللتين لم تعودا قادرتين على رؤية دوائر الإشارة كعيون أرباب، بل مجرد ضوء يأمرنا بالسير أو بالتوقف. لن تحب شاعرتنا هاتين العينين الجديدتين الدخيلتين على عالمها الذي نسغُه الألوان والوهم الخلاق والفوضى، لذلك ستظل تصبو إلى عيني الطفلة التي تقدر أن تلون العالم بريشة الخيال والجمال والشطط كذلك والجنون. المرأةُ التي غدتها تلك الطفلة تقدر أن تستعيد عيونها الصغيرة. الشعرُ يجعلها تقدر. فتذكرها بقبقة الضفدعة في الماء ببحثها الدائم عن هواء صاف. بحثها، هي الإنسان، عن هدايا الأرباب التي لا تني تنتظرها في نهاية كل يوم.

وكما افتتحت الشاعرة ديوانها بـ’’دفتر المعرفة’’، تغلقه بـ ‘’معرفة بطعم الشيكولاتة’’ في قصيدة غزل راقية جاء فيها ‘’حين لا تراني/ أجدّ السير إلى معبدك/ تغشاني محبتك/ وسكرة خفيفة بضوئك./ حين لا تراني/ أرى شفاها طرية/ ابتاعت كرزا/ وأهدته لنقاط/ بدايتي ومنتهاي./ .../ حين لا تراني/ سأنتظرك أمام مرآتي/ أهيئ النفس/ لضوئك’’.

لترسم لنا الشاعرة بهذا المنتهى أعذب صور الحب، حين نمارسه بطفولة ومكر وشقاوة. يتوارى الحبيب عن عيون محبوبه ليمارس كل شقاوات الطفولة بعيدا عن عيونه. حين لا يراه. وقتها لن تكون المعرفة حملا ثقيلا وعبئا على الروح كما ذهب المتصوفة، وليست ضدا لعمود الطمأنينة، كما قال النفري، بل هي معرفة بطعم الشيكولاتة في مذاق الأطفال. مثلما يفرح الطفل كلما تعلم شيئا جديدا. حين يتعلم مثلا أنه بعيد عن العيون يقدر أن يكون إلهاً، أو شيطاناً.

- شاعرة مصرية

رابط المقال:

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=75607

© 2006 صحيفة الوقت، جميع الحقوق محفوظة.

www.alwaqt.com

الوقت البحرينية في 22 سبتمبر 2007

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى