لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

في أمسية شعرية بمقهى البارح..

ليلى السيد.. تقف أمام بحرٍ مأخوذٍ بانتهاب الضحايا

رؤى - مهدي سلمان: 

ليست أمسية الشاعرة ليلى السيد في صالة مقهى البارح كأي أمسية، هذا ما خرج به أغلب حضور أمسيتها التي أقامتها الصالة في برنامجه الرمضاني الذي يقيم فيه أمسية شعرية مساء كل خميس، ليلى السيد التي قرأت نصاً واحداً طويلاً مطعماً بأبيات من الشعر الدارج، قدّمت في أمسيتها التي عنونتها باسم (حسّك يا مركب) نصاً مختلفاً وبروح مختلفة، وقفت فيه أمام بحرٍ عرفته مأخوذاً بانتهاب الضحايا، وفيه قدمت السيد رؤية جمعت بين المثيولوجيا والراهن، الحلم والواقع، الذاكرة والمخيال في توليفة مغلفة بإحساس مرهف ولحظة إنسانية عالية التوتر، كما هي عالية الكشف.

قدم للأمسية الشاعر أحمد العجمي الذي وصف تجربة السيد بأنها تتجه نحو الشعرية مع كل مجموعة مستشهداً بمجموعتها الأخيرة، وأكد العجمي على أهمية تجربة السيد في قصيدة النثر، وفهمها العميق لماهية هذه القصيدة وشعريتها، ووصف العجمي تجربة السيد بقوله (تجربة لها مذاقاتها الخاصة، وظلالها المتأبية على الذوبان، كونها تؤثث فضاءاتها بهدوء وطمأنينة ووقار يقيها من أن تتبع صوتاً آخر، ويبيح لها بحرية شاسعة أن تترك أثرها على جدران الحياة)، ولخص العجمي رؤيته لتجربة السيد في ثماني نقاط من بينها إخلاص التجربة لقصيدة النثر، وكثافة القصيدة لديها وشعريتها، وإمساكها بصوتها وصمتها الخاص، واشتغالها على شبكة الأحاسيس الفردية والجمعية في فنائها الإنساني، وتصاعدية القصيدة في انحيازها للشعر، وامتلاكها المشروع الشعري الواضح.

أما ليلى السيد فقد نوهت في بداية الأمسية إلى أنها أمسية للشعر الفصيح، منبهة (أن عنوان الأمسية قد يشي بالشعر الشعبي، ولكنها ستقدم أمسية فيها شيء من الشعر الشعبي)، وبالرغم من أنها لم تقدم أمسية شعر شعبي في لغته، غير أنها قدمت شعراً (شعبياً بامتياز في مضمونه، حيث اقتربت السيد في الأمسية من عوالمها الخاصة كفتاة عاشت في (قرية توبلي) هذه القرية البحرينية المطلة على البحر، واقتربت بذلك من عوالم شعبية استطاع الحضور فيها أن يشموا رائحة البحر، وأن يلمسوا رمل شاطئه. إضافة إلى تذوقهم (ملوحة) مائه. ورأوا كيف يمكن لهاذا (المالح) أن يكون دموعاً أيضاً، لنماذج إنسانية استدعتهم السيد في نصها الطويل ليكونوا شهوداً له وشهوداً عليه.. تقول:

قريتي تسامحت معها

تابت إليك فاسميتها "توبلي"

وأيضاً

أيُّها المالحُ

البيوتُ تهذي برائحتِك

تتلمسُ نجومَك

فتلمسَ أكتاف نسوتِهن 

نص ليلى السيد الطويل هو تجربة شعرية جديدة استطاعت فيها الشاعرة أن تتخطى نتاجها السابق، بل وأن تقفز عليه، فهي في هذا النص تتخلى عن بساطة ويومية التجارب السابقة، التي كانت فيها تقترب من حالاتها بلغة سهلة وصور مألوفة، لتدخل في تجربة إنسانية مختلفة في المضمون، تنهل فيها من الذاكرة الأبعد:

أيُّها المالحُ

نساءُ قريتي

يُهرِبّن بنهودهِن المتهدلاتِ

قَدَرَِالموتِ

وعبث الحياةِ إليكَ

تلتصق الثيابُ بأجسادِهن

قبلةَ عرفانٍ لصيفِك

وخصورَهن تهتزُ

باهتزازِ أحلام قدورهِن

( عَ شوملي  عَ شوملي نارك ولا جنة هلي) 

كما أنها أيضاً تجربة تحتمل مضامين مختلفة في كل مقطع من مقاطع النص، وعلى مستوى اللغة تستخدم السيد هذه المرة لغة مصقولة أكثر، وصور شعرية منحوتة بصبر برغم عفويتها، وتستدع السيد في هذا النص صوراً كثيرة من المثيولوجيا البحرينية، والطقوس والشعائر الدينية لتخلق عالمها بكل دقة ولتصل إلى عقل وقلب متلقيها في هدوء يشبه البحر، وفي كل هذا نجحت السيد بشكل كبير في خلق نص جديد يعني باللغة بقدر ما يعني بالمضمون، ويعني بالمفردة بقدر ما يعني بمعناها ودلالاتها، مشكلة لوحة يمكن الوقوف أمامها طويلاً، والنظر كما تنظر هي إلى بحرها الذي ما يزال مالحاً.. بالرغم من أنه يتلاشى.

أحمد العجمي:

تجربة السيد لها صوتها وصمتها خارج السرب

هذا المساء لكم أيها الرائعون.. الحضور

جميل أن يتمكن الصمت من أسرنا.. من ترك حفيف الضوء يتسلل إلى ذاكرة الليل حيث يعيش قلب الحرية!!

مررنا هناك، من يرث ابتسامتي، مذاق العزلة، أطرق بوابات البحر.. أدخل برج الغزالة.

أربعة دواوين ترسم قوساً متنوعاً لتجربة شعرية في قصيدة النثر، تجربة لها مذاقاتها الخاصة، وظلالها المتأبية على الذوبان، كونها تؤثث فضاءاتها بهدوء وطمأنينة ووقار يقيها من أن تتبع صوتاً آخر، ويبيح لها بحرية شاسعة أن تترك أثرها على جدران الحياة.

فالقصيدة لدى ليلى السيد تخاف من تكرار شهيقها ولهذا تكون مثابرة جداً على أن لا تتحرك في دوائر ثابتة وإنما تبني أمكنتها وأزمنتها بمراوغات مختلفة ومكر شديد مغرٍ.

ولكن مع كل هذا المكر، يمكن أن نلتقط من فضاءاتها وأطيافها خيوطاً شفافة وقوية تسمح لنا بكشف لملامح هذا القوس، ويمكن تلخيصها فيما يلي: 

أولاً: إن تجربة ليلى السيد مخلصة لقصيدة النثر من حيث ماهيتها وقوانينها، فهي تجربة واعية بقوانين وآليات بناء هذه القصيدة وإيقاعاتها وفراغاتها التي تتركها لسرقة القارئ من وعيه.

ثانياً: تظهر تجربة الشاعرة كثافة واقتصاداً أسلوبياً شعرياً لا يقبل الترهلات التي تطيل القصيدة وتحولها إلى عدد من القصائد، فالقصيدة مثقلة بذاتها الشعرية ولا مكان لغير ذلك!

ثالثاً: تظهر قصائد التجربة أن القصيدة تعرف من أين ومتى تبدأ، وكيف ومتى تنتهي، وهذه ميزة تفتقدها الكثير من التجارب.

رابعاً: إن التجربة قد تمكنت من أن تكون صوتها وصمتها الخاص بها، خارج السرب، وبعيداً عن مظلات الأبوية والطاعة. فقد استطاعت شاعرية ليلى السيد أن تحمل رائحتها الخاصة!

خامساً: تمازج التجربة في أسلوبيتها بين السردية بمزاجها الشعري وبين الومضة التي لا تمهل المتلقي كي ينتبه إلى ثبات وجوده، بل تباغته لتفقده فرصته المناورة.

سادساً: تشتغل التجربة على شبكة الأحاسيس الفردية والجمعية في فنائها الإنساني، حيث تعمل الذات كإبرة تخيط تفاصيل الحياة اليومية، وحياة الذاكرة والظلال الإنسانية. فإذا كانت الذات يعبر عنها عنوان ديوانها مذاق العزلة، فإن المرور هناك ناحية الحب والجسد تحاول أن تشعل السرّ، سرّ السؤال الوجودي الذي يتعلق بالحب وسرادقه، وتتوسع الأطياف الإنسانية عبر بوابات البحر حيث يسكن الإنسان الآخر، إنسان تلتقي به وبأحاسيسه ومشاعره في الحب والخوف والأحلام.

سابعاً: إن التجربة تسلك طريقاً تصاعدياً في الانحياز إلى الشعر، ويتمثل ذلك بوضوح في ديوانها الأخير (أطرق بوابات البحر.. أدخل برج الغزالة)، فالقصيدة هنا "تكتفي بنبض صمتها" حيث قصائد الديوان قصيرة وعارية من الكلام الذي بلا أجنحة!

ثامناً: تمتلك الشاعرة مشروعاً واضحاً هو مشروع الشعر الذي لا يقبل الغفلة والكسل والسكون، وإنما يتطلب عناصره اللغوية، والفنية، والثقافية، والمثابرة ضمن شروطه الخاصة، وهذا ما ترك الشاعرة في قلق مستمر، قلق يستوجبه الإخلاص للشعر الصافي الخالي من العبودية والطغيان! 

البحرين في 19 أغسطس 2010

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى