لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

عزلة الكائن التي تفرّ:

قراءة في «مذاق العزلة» لليلى السيد

المنامة - جعفر حسن 

 في ذهاب الكائن نحو غواياته يتأمل الذات المبدعة حين تمسكها العزلة من تلابيبها. تتفلت تلك الذات عبر استحضار ما ينفي عزلتها في المواجهة الحاسمة، تلك الحالة التي تسترجع الذات توازنها عبر تحقق الهوية التي نرى أنها تستلب في تلك الرياح الهائلة التي تهب من اتجاه العولمة، وتفرضها القوة الكبرى المهيمنة على العالم، فنتشابه من خلال توحيد ما نأكله وما نلبسه وطبيعة الأماكن التي نذهب إليها.

إن السيطرة على إنتاج السلع والخيرات المادية من قبل الشركات العالمية التي تخترق حدود كل بلاد الدنيا لتعلن انتصار هوية واحدة بالقوة المجبرة تفرض على الذوات المختلفة مواجهة تقوم بينها وبين العالم الذي بات يهدد هويتها. تلك الهوية التي تنتفض بوجه العالم من أجل إعادة توازنها من خلال قبول المختلف الذي يقبل هو ذاته بالاختلاف، لذلك يعاد طرح سؤال الهوية في الفن والأدب بكل عمق كون الأدباء هم الكائنات الأكثر حساسية من غيرهم لذلك الصراع، وهو بذلك انتصار للهوية الجديدة للكائن الذي يتمرد فيه الشاعر على وجوده الفردي نحو هوية إنسانية تحكمها قيم الحب.

قسوة البلاد

الشاعرة ليلى السيد تقف في هندسة ديوانها «مذاق العزلة» لتتوزع قصائدها بين ستة أبواب (مذاق أنثوي، مذاق الذهاب، مذاق الحب، مذاق الحرب، مذاق العزلة) بينما تفتتح الديوان بدفتر المعرفة، مع أن تسمية المذاق الخامس تقف على رأس الديوان، لكنه مذاق يعبر عن تلك الرغبة السائدة لاسترجاع الهوية الخاصة من خلال التمدد الأنثوي عبر تاريخ وتراث قائم لا تجد الشاعرة ما أرادت من وجه أمها في بهو الدفاتر ولا مما ولعت به من ظل جدتها، فمنذ أن غادرت الشمس إلى بلاد جسدت شغفها بالحياة، يظل هناك وجه مكرر باق على نخيل قريتها وتتسائل لم يبقَ البحر بين عشقي وعداوة الحلم الذي أيقضها لعرف أن لها تاريخاً لا زلت نبحث فيه عما يمكن أن يغذي وجودها الحاضر أمام تشظي الذات وتبعثر الهوية لصالح هويات أضيق ضعيفة سرعان ما تكنسها الرياح.

«بحر الجنية

بلاد قست...

ما أردته من وجه أمي

لم أجده في بهو دفاتري

وما ولعت به من ظل جدتي... اختفى

الفراغ الذي خطت به طفولتي

سرقته الأنوثة التي بكرت

امتلكت بعض ليلي

فغادرتني الشمس

لبلاد جسدت شغفي بالحياة.

بلاد قست...

وجه مكرر باق على نخيل قريتي

وماء مبتعد!

لم بقي البحر

بين عشقي وعداوة الحلم ؟»

حيرة الكائن

عندما تقف الذات الشاعرة أمام مجابهة قائمة بين الشاعرة والوطن تقف الحيرة في اعتذار بالليل والنهر الذي لا يمكن عبوره مرتين. يقف الليل في شجر المعنى لينبثق منه بحر ظلال جرار يمكن أن يذهب في غواية الظلم التي يعبر عنها في التراث بالترابط بين الليل والظلم وكونه ظلمات يوم القيامة. ذلك الليل الذي تحركه الذات من أجل أن تكون باستعادة حكايات عشاق الوطن الذين يحاول اليل إخفاءهم بظلمته، لكونه ليل مهيمن على البلاد، تحريكه وجع وسخط يتقطر مثل قشرة تنثر المواعيد التي لا تتحقق عن مقاصد العشاقه الذي يقف الظلم أمامها.

«سيعتذرون

أني نهر لا يمس

وسيعتذرون

عن صخرة ليلي لئلا تقع

أحرك ليلك

يا بلادي

فماذا تجيد من الحكايا لامرأة

تحرك ساكنك

المتوجع

ساخطا

يدك على محراث الصخر

تبذر من قشرتك

ما وعتني

من اشعار نائية

عن مقاصد عشاقك».

مزمور لصدفة عشتار

من أنت؟ سؤال الهوية الذي لا مهرب منه، من أنا وماذا أكون؟ وهذه الكينونة ما الذي يجعلها في امتلاء الوجود؟ ذلك السؤال المعذب الذي يبحث عما يجيبه فيرتج هدير الوجود السائل (البحر) ويذهب بعيداً لما لا يطال من حزن عشتار الذي أغوى مخلوقات اليابيسة بالسفر.

عشتار التي وجدت ممثلة في تماثيل صغيرة عارية في أحافير فلسطين، تظل إشارة في سديم الكآبة. ثم تذهب ليلى السيد في الرهان بعيداً مع البياض الذي يوحي بالخاتمة كونه لباس الميتين (الكفن) في طقوسنا العربية، ولكن ذلك البياض الذي يدخل في أفق الحياد يتحداه الوجود بجسارة الاشتعال، أنه مزمور الهوية التي تبنى من لظى الوجود.

«أنا النبتة الطالعة

من هدير البحر

من حزن عشتار

أغويت مخلوقات اليابسة

بالسفر

وأهنت البياض

على جسارة الاشتعال».

سبحة لا تتكرر

ما الذي يبدر ذلك الوعي الهائل بالوجود في داخلنا، هل هي الترابطات الهائلة في الدماغ الإنساني التي تولد الوعي بالوجود بحكم علاقات العصبونات الدماغية؟

وإذا كان ذلك صحيحاً، فلماذا لا نبدأ بذلك الوعي، ولماذا يظل كامناً وينمو من الداخل كي نكون في تفاعلنا مع الوجود؟ تشير ليلى السيد إلى آدم وتفاحته ورفات أجداده التي شربت، على الرغم من آدم يشير إلى الرجل ورغم أن التفاحة يمكن أن تشير إلى اتجاهين اثنين أحدهما يذهب في التأويل نحو حنجرة الرجل، والرجل ما يقول، كما قيل: تكلم كي أراك، لأن القول يفصح عن كينونة الوجود لذلك سماها وردة الله.

بينما يمكن بذات التساوي أن تذهب نحو التفاحة التي أعطته حواء، وبأكله التفاحة شاركها الحياة والحب وبقت التفاحة في حنجرته صورة للوعد والمشاركة التي تعني بكل الطرق الاختلاف، ولكنها لا تكون مختلفة كما أراد لها أن تكون، ولكنها تكون كما تريد أن تكون كما أشار محمود درويش ذات قول. تلك الكينونة التي لا ترى في ما يشبهها، أنه الوجود الإنساني في قمته التي تدرك أنه كائن لا يتكرر، حتى الدراسات العلمية تقول إن شكل الإنسان لا يتكرر إلا في التوائم المتشابهة، ولكن هل لعدم تكرارنا في الوجود علاقة بوجودنا؟ وإن لم يكن كذلك فهل لنا أن نختار وجوداً لا يتكرر كما تقول ليلي السيد؟

«وتركتني

أحدق بصباح على أنفي أحمر

يا ظل آدم وتفاحته

أسقيتني رفات أجدادك

ورميتني ببياض ضفتيك

أسمتني وردة الله

وكان خياري أن لا أتكرر».

الامتلاء بالوجود

كيف نكون دون أن ننتمي إلى وطن ما، ذلك الوطن الذي يصغر أو يكبر حسب ما نريد ذلك الوطن المحاط بالبحر هو بحرين وهو في ذات الوقت مساحة لا تسكنها اليابسة فقط، بل إنها مكان تحلق فيه أرواحنا؟

هنا هو المكان الذي مروا فيه هم الذين بقوا في تاريخ الهجرة ولم يستقروا، لم يكن البحر لهم مكاناً بل هو بحث دائم عن ترحال جديد إلى كينونة جديدة تمتلئ بفيض الحقيقة، لكن حقيقة الكشف لا تقف على وجود واحد بل إن التعدد هو الأصل، وقبول المختلف ضرورة للوجود، ومهما كان البحر قاسياً ليفرض شروطه على كينونة الكائن فالبحر لا ينفتح على الملح فقط أو الصرخات الموغلة في تاريخنا بالعذاب، البحر هو حدود مفروضة على الوجود، ولكن مهما كانت سطوة البحر عارمة على الكائن وتفسير وجوده، لا تستطيع منعه من النزوع نحو الاستقرار وبسط العلاقة بالمكان ذلك هو الانتماء العميق للحقيقة التي تصورنا كمرايا الروح في الاختلاف، فحتى البحر شقيق البحر لا يستطيع أن يفصل بين سمكتين مهاجرتين نحو الحقيقة

«(1)

أكتب شعراً على نخيل البحرين

أو في أي مكان آخر

فيما بين البحر والبحر

لا تقبع اليابسة وحدها

هنا مروا جميعهم

وهنا لم يستقروا

غير أن البحر الذي هو شقيق البحر

لا يجيد الفصل بين سمكتين مهاجرتين

إلى الحقيقة».

بعض وجودي... بعض وجودك

تلك هي الذات الشاعرة التي تجعلها ليلى السيد تؤجج الوعي بالوجود الاجتماعي الذي ينصب على كينونة الآخر مهما يكن هذا الآخر فهو فينا وهو منا، هو الذي نقبله باعتباره جزأ من الكينونة لا يمكن أن تكتمل بدونها، تلك الكينونة الفردية عندما تتمدد لكي تبقي وجودها حاضراً بين المجموع لا بد لها بأن تعترف بالمواطنة التي يتساوى فيها الجميع تحت راية الوطن الواحد، ذلك مالا يتحقق إلا ببناء حرية الوطن، تلك الحرية التي هي حرية جميع أبنائه بغض النظر عن نوعية الكينونة التي تتمظهر في وجودهم

«(16)

(حسن) نبي أو فيلسوف

في ثوب مواطن

ليته كان زعيماً

فالمواطنة أن تبني

للوطن حريته».

قيسٌ حضور لا ينتهي

يبدو لي أن هناك سمة مشتركة بين كتابة الشاعرات للقصيدة وكتابة الشعراء أيضاً، تلك الميزة التي تبدو في كون الشاعرات دائماً يذكرن الرجل، كذلك دائماً الشعراء يذكرون المرأة، تلك الذات التي تكتب عن آخرها محكومة بالمورث الذي رغم ذهابنا إلى الأشكال التي نقول بجدتها وقدرتها على تناول الحياة اليومية لكائن تغيرت ظروفه عما كان في التراث العربي، إلا أننا مازلنا محكومين بغزليات قيس وجميل بثينة وغيرهم من العشاق الذين مروا على التاريخ العربي، ولكني أقول بوراثة قيس بن الملوح لكونه مختلق في ثقافتنا هيمن على الوعي الجمعي بصورة مزدوجة نابعة من مصادر مختلفة عبرت عن صورة الندب البابلي في معظمه، لذلك يرتبط التوق والشوق والغرام بالعذاب والسهر عند الشاعر والشاعرة، المرأة تعذب الرجل، الرجل يعذب المرأة، كلاهما ضحية الآخر.

لم نرَ الشاعر يكتب لابنته، لم نره الا فيما ندر يكتب لأمه، لكنه يكتب للأصدقاء بين الفينة والفينة، وكأن المرأة انحصرت في داخل العائلة الكائنة أو التي ستكون، كذلك هي المرأة تكتب عن الرجل وعذاباته التي يخلقها لها لم تكتب عنه باعتباره أباً، أخاً، ابناً، حفيداً، وحتى لو كتبت فسيظل ذلك أقل وجوداً من مظاهر تعدد وجود الإنسان بشكل عام، مادمنا لا نطور وعياً بنوعية الكتابة سنجد شعرنا محبوساً في الأدوار التقليدية التراثية النابعة من عقلية الغائية للكائن تصوره موجود من أجل التكاثر لا غير، ولكن موضوعات الحياة أكثر من مجرد رجل ما أو امرأة ما في الوجود، إن الكينونة أوسع مظاهراً بما لا يقاس من تحقق الوجود المتسع، مما لا تعكسه الشعرية المعاصرة.

الوسط البحرينية في 30 أغسطس 2014

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى