لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

قراءات مفتوحة على الحياة والحب والحرية

4  أصوات شعرية في النادي الثقافي العربي

الشارقة - حسام ميرو:

بداية لا أستطيع تفويت اسم الديوان الذي شطرته الشاعرة عن عمد إلى نصفين، ربما لتكريس فكرة الانقسام الداخلي الموجود في هيولي الشاعرة أو فضائها الداخلي المرتبط بالفضاء الداخلي لأمتها ككل.

يتألف الشطر الأول من الديوان من اثنتين وعشرين قصيدة متفاوتة الحجم وإن كان يغلب عليها طابع القصر و التكثيف كأنها خرزات في مسبحة فوسفورية.

انطلاق نحو الآخر في عنف لكن بوعي شديد، كنشافة امتصت الماء و الزيت معا، مع أنها استطاعت ببراعة خلق حالة من التأرجح المتزن بين عالمها أو معينها الثقافي العربي وبين ثقافة أميركا اللاتينية (أو ثقافة برتغالية اسبانية برحيق شرقي خالص).

يبدأ الديوان باستدراج القارئ بلطف وحنكة شديدين إذ أن مفتتح الديوان ليس سوى دندنة هادئة لا تؤذي أحدا، لكنها في الحقيقة تفعل الكثير الذي لا تستطيعه الافتتاحيات النحاسية الصاخبة.

تدخلنا بعدها فورا إلى عالمها و كأنه اختطاف للقارئ الذي تراخت حواسه مع المفتتح القصير، فورا إلى مدينتها، إلى أرضها الحقيقية، (المنامة) أو بالأحرى إسكندريتها الخاصة ومن ثم تعقد مقارنة غير لفظية وغير صريحة بين المنامة بكل تفاصيلها و بين (مديين) مدينة الشعر أو رمز الشعر، ربما عدم القدرة على اللاانتماء هو الذي جعلها تعقد مقارنة في نصين منفصلين, وربما الحرفية في حياد النقل، المهم إنهم هناك وليسوا بأي حال نحن أو ليسوا المكررين، هم ليسوا إلا أنفسهم، لكن الشعر لا وطن له، لا يملك جواز سفر ولا أوراق جنسية هو شعر بمذاق غريب ورائع و حميمي كمذاق الباباي.

في - أرض بعشب أزرق- قصيدة مزدحمة الإسقاطات تتكاثف حولها المعاني كبخار الماء.

في – نون مديين- قصيدة مصفوفة الأحرف كأيقونات صغيرة في كنيسة قوطية قديمة. وفي بوجتا ينكشف أمر المساحة التي انتهى عندها البرزخ الفاصل بين حضارتين ظاهرا في بنيوية القصيدة: قمر الشتاء- السامبا- غناء برتغالي- كاتلينا – بوجتا تنتصب كأنها رؤوس أسهم صغيرة تخز الذاكرة في مواقع محددة كإبر صينية خبيرة، وتنتهي القصيدة بفكرة رائعة سيطرت أحيانا كثيرة على أدباء أمريكا الجنوبية وهي فكرة عبور الجسد عن طريق طاقة الحب أو طاقة الشعر أو.... أو.... وهي كما قلت فكرة تسيطر على الأدب البرتغالي ككل.

أما قصيدة – طفل- فتحيلنا إلى مزمور خاص جدا في هذا السفر شديد الخصوصية وينسحب نفس الشيء لكن بحدة اقل على قصيدتي –سماء و مطر-.

غنوسية لا تخطئها العين أو طقس في مذبح تلوح في قصيدة –شعر- ولا تتركنا الشاعرة في حيرتنا لمدة طويلة بل تثني بقصيدة أطول –مجيء- وكأنها تجيء لتفسر ما حدث في القصيدة السابقة. لكن الحلم مازال مستمرا في – طفل الغيم- بكل لهاثه وصباحاته وشعره وفراديسه.

متقدما كأجنحة عنيدة في عودة إلى قدسية الفكرة مستخدمة بنيوية صريحة هذه المرة للهروب من فخ الإغراق في الذات مصرحة تماما بـ(سفر لموت قادم) وثلاث شظيات متتالية – قصيدة – رغبة- غربة. وفي غربة يبرز سؤال إلى السطح: لماذا الارتباط الوثيق وعلى طول خط الديوان بين القدسية والطفولة؟ هل هو تخاطر بين نصوص الديوان ونصوص كوزاكوف الذي ينهج خط السمو في روح الطفل؟

في القصيدتين التاليتين نلمس القاموس المتفرد الذي تنهل منه الشاعرة أو بئر أريسها الذي لا يعرف مكانه إلاها – طفلة مخملية، غناء القمر، رأس سنة فوق ثور، دائرة السلام، أكف السماء، خيط غناء...........

ثم يجيء الانفجار الأعظم – القصيدة السرية- كانفجار بغدادي وسط شارع من أشجار القصائد الخضراء وهي كقصيدة تعطينا تبريرا منطقيا للغنوسية والغوص في العمق الذاتي اللذين حاصرا سلسلة القصائد السابقة التي تكون فيما بينها العالم الخاص للديوان.

بالرغم من القصيدة المباغتة تعود الشاعرة الى الوتيرة الهادئة من جديد بقصيدتين ناعمتين كحرير المساء، وإن كانت لم تستطع منع نفسها من دس فيزيائيتها الجديدة في (لزجة بطعم عشقها)، ولم تخلع أيضا غلالة ثقافتها الإسلامية العريقة المتعددة في (حتى مطلع الفجر) لكنها هنا تتميز بالتوظيف الواعي الذي لم يسبب أي خشونة داخل جسد النص الحريري.

في الشطر الغربي من الديوان – أدخل برج الغزالة- ميل واضح إلى التوحد والسكون إلى الأنا العليا، ثم تنثال المفردات في –مدريد، منتصف الرغبة، الحمراء، غرناطة- مع ابتكار غير مسبوق للصور ينبع ابتداء من مديين مدينة الشعر مثل: أقشر ابتسامتك، ترتخي أزهار وجهك، تتداخل بحرفية عالية وذوق أنثوي مع صور كاريبية الهوى في (النورس في قدم البحر، سمكة تتحلل في صدفة، تأتي الشمس طرية).

تأتي الشاعرة على ذكر صريح لمواقع ذات دلالة – مدريد، الحمراء، غرناطة- مدن التماس الثقافي الموغل في القدم بين الثقافتين هما عروبة الشاعرة والأصول برتغالية لـ (مديين). ويستمر التفاعل بين الحضارتين في – عصفور غرناطة- وإن كان يبرز وجه آخر لثقافة مديين وهي ثقافة الغجر كرافد من روافد مديين التراثية.

(منتصف الرغبة) نص طويل نوعا ما لكنه يخدم الغرض تماما فهو لحظة توقفت فيها الشاعرة عن التأرجح، سكنت فجأة، خرجت من قوانين القصور الذاتي لبرهة تتلوها برهة أقصر وأكثر هدوءا في آثار وهذا طبيعي بعد الفاصل الطويل الذي تمت فيه طقوس تقديس اللحظة.

يختتم الديوان بثلاث قصائد يساري المشيئة كعودة أخيرة إلى قدسية النصوص أو معمدانية الكتابة، ثم قصيدتين تتدرجان في الخفوت كيد مسافر تودعنا من شباك قطار يبتعد مرة أخرى تاركا هؤلاء الذين يقطنون رصيف الشعر في حيرة اشد منها عند بداية الرحلة إلى بوابات البحر.

محمد الناصح في 03 فبراير 2014

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى