لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

الشاعرة البحرينية ليلى السيد في مجموعتها "مررنا هناك"
يتخافق الجسد بعيداً والشعر قريباً في الروح
بقلم: زهير غانم

إذا كان الشعر ما كان وغير ما يكون، وإذا كان ترميماً للعواطف الخربة التي ينعيها بوم في نهاراتنا الحرائقية المتفحمة.. وفي أجسادنا القمحية والزؤانية وفي أرواحنا الداشرة، فإنه لن يفلح في شيء، من هذا. ربما في القليل أو الكثير من نفض غبار التعب عنا ومن جعلنا نتساقى كؤوس العماء والعزاء في كل حين وآن. أما وأن الشعر توهيم الرغبة وتضخيمها وتذويقها وتبريقها. فهذا غير محظور عليه. وغير محظور القلب الذي يشتهي سمية عند الآخر والجسد الذي يتوق الآخر. ينجذب إليه. يتمغنط ويتكهرب فيه.

وبناء على ذلك تكون الشاعرة ليلى السيد خرافية الشعر ووقائعيته. ميتافيريقه.

وتفاصيله اليومية. حدوثاته ودقائقه. وحتى شعيراته في الروح. وهمز غمزاته ولمزاته في الوعي واللاوعي. وكأنها تتدارك وتدرك زمانها ومكانها. وتتواقت وتتواقع معها في شعر الرغبة المنفلت من انفلاته. والعائد إلى عقاله الإنساني في النشيج والنئيج اليومي للجسد وللبحر. وربما للفضاء الذي تصعد فيه أنفاسها سراً وعلانية. وكأنها تريد تنشق الحزن، وارتشاف عسل الفرح بفمها وشفاهها.

وكأن اليد جسرها الإنساني. والعين تسمع أكثر مما يجب، والأذن ترى ما لا يمكن رؤيته سوى بالحدس والغريزة. بالشوق والبصيرة. فيما ينطوي شعرها على ذلك الدوي الهائل للرغبة والعش. وعلى زنين أجراس اللهفة. وإيقاعات الأماكن. الأزمان الكائنات. والهمس المحموم للغة التعبيرية التي تتلظى، وتتمطى.

وتكاد تنقطع من حممها وبراكينها. وصهاراتها الداخلية. تصفو على ليل شتائي وتعتكر في نهار. تضيء في ضوء وتعتم في عتمة. وتتكتم أو تتكثم على مكبوتها فتهرب من التسمية. إلى البوح والإيماء والدلالة. متمايزة في رؤيا الحب. ومناماته الخاسرة. ومجرياته وممارساته المضطرمة الضارية. وما ذلك إلا من النزق والشبق الذي يصدأ في الجسد العاشق. حتى لو وجد سبيله التصعيدي في الشعر واللغة. وحس البث للواعج. والشكوى من حرافة الوجد. وقسوة الوله. والستغراس القلق والأرق في الإقامة والرحيل. وفي المقهى. الشارع. المنزل. السرير النافذة، الثياب الباب. وفي الكتابة في صحوها ومحوها على وتيرة ووتائر متساوقة، وغير مرنانة في البياض السري للحبر الذي يتكاتبها، وفي السواد السري للأوراق التي تستظهرها. وكأن الشاعرة ترتكب الشعر كمعصية، وتخاطر حتى تصل حالة "الكاثرسيس" أو التطهر كما أشار أرسطو في كتابه عن الدراما..!

ربما في مرجعية الحب العربي، بشقيه، العذري والصريح، ما يندرج في شعر ليلى السيد عبر قصائد مجموعتها "مررنا هناك" من المؤكد؟ أنها لم تمر هناك. بل مرت هنا ومرت إلى أقرب من شغاف قللها. حتى تترجم معطياته وعناصره، واصطفاءه. وانخفاقه واصطراخه.

بالعشق ومن العشق. فهي لا تؤلف. إنها تنكبت عبر قصيدتها. وترسم سيماؤها. وشخصيتها. وروحها المتلاطمة المتطاحنة المتناوحة في تلافيف القصيدة في زواياها وحناياها. في متونها وهوامشها. ولأن اللغة الجمالية مؤنثة. تستعيد الشاعرة حقها فيها. وإذا كان العاشق العربي هو الذي يبوح ويصرح بعشقه. فإن الشاعرة العربية راحت تصرح بعشقها، ولا ترى جريرة عليها في ذلك، طالما استطاعت امتشاق أسطورة عشتار آلهة الحب والخصوبة.

وطالما استشعرت عاشوراء. ورثاء سيد الشهداء. وعشاق القضايا. فما عليها إذا امتزج الشعر بدمها. وتفصدته من شرايينها وشريانها الأبهر. من القلب والكبد. والرئتين والكليتين. وربما المرارة. بحسب حيرة العرب في تفسير من أين يأتي الحب. هي تبادله المعنى وتلغم اللغة بنقيضها. وتشعل صواعقها دفعة واحدة، تتدافعها بالمناكب. وتتقاذفها من الأسرار والحصارات. وتثير بها برودة النار وحرارة الثلج دفعة واحدة..!

هكذا تحتضر الشاعرة العاشقة في العديد من القصائد. وتعاني سكرات العشق وتطوحاته. وثمله الماتع اللذيذ. بينما تغتبط وتحبر في قصائد أخرى. كما في مررنا هناك كعتيم متن ومستند في جسدة الديوان. الملتف على وشيعته. كشبكة عنكبوتية للغة، التي تحلم وتوهم. واللغة التي توجز الواقع، أو تتخيله وتمده بالإيحاءات والدلالات للمطر والشتاء. للشمس القمر المريض والنجوم الباصة الشاحبة. لعطب في الهواء. وجراح في الضوء. لانكسارات لا حصر لها. تبوح وتحزن في حريتها. وبعض الندب يخالط البوح. ولا بأس بالشعر الذي يختلج في الجسد ويعتلج في الضمير. وتدمدم به اليد في عصبها الماجن المتوتر المتواتر. وهو يسوف أمثولات اللقاء. في الحضور والغياب. أمثولات الهجران. وغواية الجسد العاشق. جانب غواية اللغة العاشقة. جانب سيمفونية من الغوايات التي تشارك وتتشابك. حتى تخرج القصائد. أو تجلوها كعرائس ليلة دخلاتهن. وما ذاك سوى تغول وتغور في الأسرار والمسارات والمساورات مع من لا نحب ويحبنا. ومع من نحب ولا يحبنا. وكأنها محبوبة ممن لا يحبها تتبادل ذاتها المواقع. حتى تظل في مناورات ومداورات العشق والشعر. ولا يستقيم الأمر لا هنا ولا هناك ولا هنالك. فكيف تم لها المرور هناك. ولم يكن لها بدء شعري. ولا إنتهاء. إنها تفتح نصها على الذاكرة. فتتذكر القليل الضئيل. ثم تسلمه للنسيان. فأين هنا أولاً من هناك. وكأنها في حركة الضد منطق والقول الفصل من هنا إلى هناك. هي تقبع في المسافة الضوئية والشعرية والشوقية بينهما وتتحرر منهما. لتقول مررنا هناك. وكأنها ستموت وفي نفسها شيء من حتى. فهل تجاوزت هناك. أم دخلت. أم وصلت إلى البوابات. لم تفلح في الإفصاح سوى عن المرور والمرارة التي تستشعرها في العشق والحلم بالحب على حد سواء. عدا عن أن الحركات عزيف منفرد بين جسدين هاويين. يحلقان برغبة واحدة. في فضاء مؤنس من اشتغال الحب والرغبة ونفاذ الشخص بالآخر. النتافد والتناضخ بين جسدين معتشقين..!

لكن حقيقة الأمر في الشعر العاشق، أو العشق الشعري، أننا نلمح ذلك الخيط الضوئي الفاصل بين الجسدين. بحيث لا نرى بين جسدين معتشقين سوى الانفصال. وهذا ما تضرم نيرانه الشاعرة في حب مستحيل، يبري لغتها. وقلبها. روحها وجسدها، واقعها وحلمها، نهاراتها ولياليها. عادات نومها ومناماتها. ويقظاتها. لذلك تصطلي وتصطلم بالحب. وكأنها للمرة الأولى. وكأن العشق في مكان آخر. كما

الحياة. وكأن هنا سر الجسد العاشق ويوجه القاصي والداني. والقلب الذي دنا وتدلى، وصار قاب قوسين أو أدنى. والحب الأقرب من حبل الوريد. لذلك ذهبت إلى هناك. لأن مستحيلها هنا احتمالي. ممكن متماكن. متمنع. مقام بغياباته. وهي ترجه هناك حتى تقتنصه وتتحاصده. بمناجلها العزرائيلية. أو العشقية. هي في الحب القاتل. ترتكب جريمة الشعر. وتتهاطل في أمطاره. كما تتذاوب وتتراغى وتتراغب في بروقه ورعوده!

إن شيئاً ما، غامضاً وأليفاً. مدنفاً وخاطئاً.. آثماً وبريئاً. هو حبيب، طيف حبيب توجه خطابها الشعري إليه. فلا الفم واليد. ولا الجسد والصوت. ولا المرئي واللامرئي من يتحدث. إنه الصمت الذي لا يصمت. الصمت المتحرك الضاج. المتحول المنزاح.

في المكان والزمان. والخيال. بين الأشياء والعناصر وفي الفراغ، في عالمها المائي اليابس، وفي يباسها النضر الغضير. المعشب المنخضوضر. وكأنها تعالب الأشياء. وتتقاليها. وتقاطعها. وتحيلها غير ما هي عليه. تنثر عليها الفوضى الجميلة للكلمات فتحيملها على جناح الأثير والصمت. وفي فضاء العشق ومجراته العامرة بالألوان. العابقة بعطور الموت. كي تؤبد الخصوبة، والخصومة وفرح الحياة ومرحها، وكي تقر بالأحزان لانفغار الرغبات. لانشراخها. وتشققها وتصدعها. وكيماوياتها السلبية العنيفة التي تفضي إلى احتراب الوحشة والوحدة. وإلى امتطاء الأسفار للتعويض عن زحمة الإقامة. وحشدها. ولا جدواها. وهي أي الشاعرة لو ضلت الطريق مراراً والمدائن تكراراً فستصل إلى قلبها، ولو ضل حبيبها الطريق والمدائن مراراً وتكراراً. لوصل إلى قلبها. قبل أن يتواصل مع قلبه المغادر معها. والمفارق لاستفراد الحبيب بالغياب الحاضر. أو الحضور الغائب كما ترتئي وتشتهي وتحب وترغب وتريد في قصائدها. وخارج القصائد. لشعر ليلى رقة وعذوبات لا تنتهي. وفيه احتراب واشتجار مع الذات. لانتزاع اعترافاتها. وأسرارها المطمورة فيها. والبحث في قصيدتها عن الكنوز. والغوص عميقاً وبعيداً للحصول على اللآلئ. من قيعان محيطاتها المتلاطمة. القابعة بالازرقاق والاخضرار. وفضة الضوء المترارئة. والظلال المواربة. وكل الحفريات، والأثريات. والمستحثات، والاستنبات والمتحجرات. والجاريات. والطائرات. تندرج في هذا السديم الشعري الذي تشتقه الشاعرة من أحافيرها. وفقرياتها العظائية والغضروفية. وكأن اللغة هي ما يكسو هذه الأبنية السامقة والمتواضعة من التعبير. اللحم والدم. العصب والأربطة. ويتوه بها فوق الواقع، وخلف المرئي واللامرئي اللذين يتزاوجان. كما الجسد والروح. ويتحدان في العشق عبر طاقات تغلي، وتدلي بدلوها في هذه المدارات الحزينة.

إن قصيدة النثر. لأنها ليست نثراً إلا بشاعريتها. تتجارحها الشاعرة. تتصاوتها، وتتصامتها. كما أنها تتفارحها وتتحازنها. كذلك تتلاهثها. تتزافرها. وتتشاهقها، ويغلب عليها المجاز. والحس المشهدي السينمائي. مع شفافيات شاعرية وإحالات رومانسية. وانزياحات وجودية. تجعل بداهة الشعر. كبداهة الحياة والحب. دون تكلف. أو اعتساف. حتى لو كان اقتراف الشعر جريمة حب يعاقب عليها مرتكبها بالوفاء والخيانة. فإن الشاعرة ترتكب ذلك عن سابق عمد وإصرارا، غير عابئة بنتائج القول الشعري. ولا بنتائج التحقيقات النقدية، لأنها تريد للجماليات أن تكون بريئة من التلوث السردي. بالإيجاز والاقتضاب. وفتح المعاني على أهويتها ونزوعاتها الإنسانية. وبزوغاتها الإشراقية. وكم يمكن احتساب الشعر من الشعر والنثر من النثر. إذا كانت الكينونة تتجاوف وتتجارف عواصفها وزوابعها. وتذهب إلى عصفها وقصفها، وهبوبها واندلاعها. قبل مهدئات العشق ومحفزاته. في اللغة والحقيقة. في الخيال والسراب، وكأن الشاعرة تتفيأ أحوالها ومقاماتها حيناً، وحيناً تتساقاهها. كؤوساً من حنظل أو عسل مر من حلاوته. وتحاول التخلص من دبقها الوجودي الكينوني. لتخف بها وتهف وترف. إلا أن الدابق يأبى الرحيل فما أن تتملص من قصيدة حتى تعلق قصيدة أخرى، وهي تقتل عاشقها كالعنكبوت وملكة النحل، وهي كهرة تعود لابتلاع قصائدها أولادها. خوف أن يفترسهم هر النقد..!

ولا نتطارح الشاعرة ليلى السيد قضية المرأة في شعرها. وقضية الذكورة والأنوثة والجنس إنما تفيض بالأنوثات الممكنة والمحتملة. وتتوازى وتتوازن في العشق ومع نفسها جسدها وروحها. ومع الرجل في تفاعلات وتبادلات حميمة. وعبر البرودة والسخونة. وعبر الرغبة وشعورها أيضاً. لكن شغفها في البوح لا يتباخل بالإيحاء فيما يعتمل في دخليتها تجاه ذلك.

ويكون محمول شعرها الكثير من الإنساني. الذي ينطوي ويتجوى ويتجون، بين الجواني والبراني. وبين الفوق والتحت ومن كل الجهات في محاولة لتجسيد العناصر وتسخير الأشياء التي تصرف النظر عن فرادة الشوق. وقوة الحب. وعدم الولوج في السريرة ومساورتها أكثر فأكثر.

لذلك لا بأس أحياناً بقراءة الفراغات التشكيلية. والجمل الطويلة والقصيرة، والكلمات المعمرة بالمشاعر. ولا بأس من قراءة ما تتصامته. وتتخافاه. وتتحايل على تمظهراته وموارباته وتسريباته من جيولوجيا الأعماق إلى تضاريس الجسد، إلى جغرافيا العشق النارية الحارقة. عبر الروح المبقورة الموجوعة المتألمة والمتكلمة على حد سواء..!

إذن يجيء الشعر والشوق والعشق من الغفلات المسروقة من ضجيج الحياة وعجيجها. ومن السهو والسهوم. وربما من أحلام اليقظة والنعاس، والمنامات التي تتأول ذلك وتتقوله في تقاسيم التعبير الشعري، وفي تفريداته التي تنطوي على جراح موهومة مثلومة. نازفة. ومندملة في آن. تحتكم الشاعرة إلى بوحيها الذاتي وربما إلى سيرتها الذاتية غير المعمول بها وربما الرافضة غير المقبولة. حتى تتداخل في مراياها. وتتخارج منها بالشعر. وبوارقة القادمة من عثمات العشق ودوية البعيد وأصدائه المتناوحات. ومن هاويات إلى ذرا، ومن ذرا إلى هاويات تتقارب القصيدة وتتباعد في أنفاس ونكهات الشاعرة المحتدمة باستعراء اللغة واستقوائها، لاستكناه الكينونة الغائبة. كي تحضر وتنوجد في الشعر.

جريدة "أخبار الخليج" البحرينية في 5 مارس 2004

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى