لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

ليلي السيد وقاسم ماجد في فتاة الريف

غناء للإشارات الحمراء.. وعزفٌ يحتضر

متابعة: إبراهيم الشاخوري

مساء الأربعاء الماضي كان مختلفا في جمعية فتاة الريف، حيث تقاطعت الأصوات بالموسيقي لتخلق ذاكرة أخري في أذهان الحضور

الذين استقبلوا ساعةً من الشعر العامي والفصيح، ممزوجا باللهجة العراقية المتوزعة بين الحزن والفرح، كل هذا جاء معتّقا بأنغام العود الجميلة. في تجربة تختصر الزمان وفواصل الأجناس لتخلق إبداعها وحضورها.

الفنان العراقي قاسم ماجد، كان الفضاء الصوتي الذي اختارت الشاعرة ليلي السيد أن تطلق كلماتها فيه، وحين ينحدر شلال الصور والأحاسيس المتدفقة من كأس الشعر، فإن الموسيقي تدخل في تجاذب لا شعوري بين النص وانعكاساته علي العازف. ارتفاع وتيرة العزف وتغيّر اللحن وتفاوته بين الانخفاض والارتفاع، كلها قراءة بصوت مرتفع لصدي النصوص داخل العازف.

قوّة الرابطة بين العازف والملقي والنصوص، هي الثلاثية التي جعلت من تجربة أمسية جمعية فتاة الريف، تجربة جميلة بحق. وهي كذلك ما يفضي إلي قراءات مختلفة عبر دفق المشاعر والإبداع فيها، وما يبقي فيها هو اتباط جميع مفرادتها بحبل سرّي من الإبداع المشترك.

نصوص وأصوات

البداية كانت بمجموعة من نصوص زالشعر العاميس للشاعرة ليلي السيد، مصحوبة بعزف للفنان قاسم ماجد علي العود، تجربة الشاعرة في الميدان زالعامّيس تجربة ثرية، يمكن استنشاق خصوبتها عبر الصور المختلفة والعديدة في مختلف القصائد التي قدمتها الشاعرة، وما يجمع هذه النصوص في أحيان عدة، هو الصوت الأنثوي العاشق والحزين في أحيان عدة، وحتي إذا اختارت الشاعرة تجسيد الأنثي في قصائدها ببعض الجموح، فإنها سرعان ما تعود لترسم الأنثي رقيقة ومأخوذة بحب عميق. تقول الشاعرة في قصيدتها زبرد الهويس:

ز وحق اللي ورد للماي ولا رد

منامي بليل جافي بي ولا رد

ورسايلكم علي الخاطر ولارد

تجيبك حنة الموجوع ليّه

أغالب فيك شوقي ودمع عيني

وأقولن لو رسايلكم تعيني

علي افراق الولف الله اليعيني

وأنا الموجوع من جمرة ال بيهس

إذا تلك سمة المرأة الشرقية التي تجد الحب الحزين أجمل، والتي لا ترفض أن تسكب ألوان صراخها وتمرّدها أحيانا، ولكنها تبقي في جزئها الكبير مأخوذة بحزن عميق وجميل. وهو ما جسّدته الشاعرة في مختلف صورها المملوءة بنبض الإبداع. وعموما، فإن تجربة ليلي السيد لا تقف عند هذا الشاطئ، بل تبحر في الشعر الحديث مشرعةً قصائدها لإيقاع آخر مختلف في الطعم، ولكنه متحّد في لغة الإبداع.

التجربة الأخري التي ميّزت الأمسية، هي التجربة الصوتية المبدعة في إلقاء الشاعرة وعزف وأداء الفنان العراقي قاسم ماجد، والتي لم تخرج من إيقاع الحزن الشرقي الجميل، متوحشا بحنين عميق لوطن يسكن بعيدا في البصر، وقريبا في الذاكرة. لهذا جاءت كلمات الشاعرة وألحان وأداء الفنان استثنائية في الإبداع.

تبدأ ليلي المفاتحة بإعلان صريح عن الغربة:

تتعذر بغربتك لجل المكان ابعيد

واشلون غربة وطن حتي بأوان العيد؟...

روحي عليك تغرّبت مرتين مو مرة

محبوسة في جثتي واتسابق الحسرف

تلك هي الغربة وأصداؤها في نفس الشاعرة والتي منها ينطلق أداء جميل في عزف العود للفنان، ومنها كذلك يخرج صوت الفنان منكسرا ولكن قويا وهو يعلن:

في صدي داخلي زفرني دولاب الليالي

وشالني بروجة حسنكم

آنه متغرّب عن أهلي

وانتم عند أهلكم

غيركم ما عندي أحد

وانتو غيري هوايه عندكمس

وهذا التناغم العميق، يفضي بعد مجاذبات الصوت واللحن، ومناورات الكلمات والأحاسيس إلي أن يعيد الفنان توصيف ارتباطه، فيعيد الإعلان:

كافي منكم

راح أوصّي الروح ما تجفل

إذا جابوا اسمكم

راح أوصّي العين ما تدمع

إذا شافت رسمكم

كافي منكمس

وتستمر بعدها المناورات الشعرية لتدخل ساحة الحب والحزن واللوعة علي الحبيبة التي تعدو علي القلب بأرجل من شوك، وتكتب الحروف فوق الذاكرة بسكين من نار، كل هذا يخرج بصوت عميق ورائع من الفنان وهو يبوح به عبر أصابعه للعود. ويمشي معه في جانبه صوت الشاعرة وهي تقرأ نصوصها كالظل المصاحب لكل حرف. كل هذا، أفضي إلي تجربة أشبه بحديقة من الأصوات تغزوها زهور الأحاسيس والمعاني، والتي يأتي فيها الشعر الحديث كآخر زائر.

المفصل الأخير في الأمسية، كان ما ألقته الشاعرة من قصائد حديثة، أخذت طابعاً آخر في الإيقاع، وفاضت بجزء آخر من تجربة ثرية للشاعرة، تجربة تستنطق الجماد وتحرّك فيه المعاني، وتكسوه بوجوه تضج بالحركة، لا تستطيع سوي الصور المتدفقة في النصوص أن تلجمه لتشكّل منه قصيدة. فيأتي المشهد متوّجا بغناء تعترف فيه الشاعرة بأنه لإشارة حمراء.

في قصيدتها أغنّي لإشارة حمراء!س، تقول الشاعرة:

زبيني وبين المدرسة

إشارة ضوءٍ وحيدة

إشارة تفتت صباحات الشوارع ...

وهكذا

كلما دنا الطابور

دنت الأقدام المتمردة

وضعنا إشارة حمراء

زرعنا الإشارات وحمّرنا عيونها

كرموز لرحيل الأرباب

بهداياهم خائبين.

إذا، هو تقاطع عميق بين الفوضي والتمرّد، وبين كل ما يواجه هذا الدفق القوي من خطوط حمراء، هذا ما يشكل انعكاسات داخلية للشاعرة التي تبدو في النص أشبه بحمامة جموحة تسرد حكاية القفص التي صبغ عالمها بالإشارات الحمراء، ولكنها تعود وتستدرك في هذه الخطوط جمودها ونحافتها، فتكتب في خاتمة القصيدة:

... شكراً

ما زالت الإشارة مجرد ضوئية

فهل ستوصلني

بهدايا الأرباب

يا آخر اليوم؟.

الميثاق البحرينية في 15 أكتوبر 2005

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى