لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

مذاق العزلة: ستـــة مذاقــــــات لعـزلــــــة.. بين الحــــب والحــــــــرب!!

بقلم: جعفر العلوي

تطل علينا الشاعرة ليلى السيد عن دار فراديس للنشر والتوزيع ببهاءٍ جديد يحمل عنوان (مذاقات العزلة) وهو الثالث بعد (مررنا هناك) و(من يرث ابتسامتي) للشاعرة، ويأتي الديوان محملاً بستة فصول تناثرت منها مذاقات الشاعرة (دفتر المعرفة، مذاق أنثوي، مذاق الذهاب، مذاق الحب، مذاق الحرب، مذاق العزلة) لترسم إيحاءً إنثوياً آخرى في صفحات من القطع المتوسط بلغت ٧٠١ صفحة.

منذ الإهداء تطرح السيد ترنيماتها في صفحات (دفتر المعرفة)، الفصل المثقل بأحاديث القرية ومُسوح القسوة في بيئتها، وبين الذاتية والشمولية تقترب الشاعرة نحو سبك لغتها في مقدمة الفصل (التي رضعت من حليبي/ جاءتني بجدائل مسبوكة بلون الفجر/ وحبيبٍ يحترف الغياب) قبل أن تبدأ في (مرويّة) و(بحر الجنية) و(تحكم) تضمين أغنيات القرية وكأنما أرادت من هذا الفصل طباعة سيرة ذاتية لها حيناً تختصر وهي تدونها هدوء البيئة (نساء قريتي/ يمشطن سعف النخيل/ يضفرنه/ بعذوبة المواويل/ يبعدن البحر عن صخب المتألمين/ يمنحنني/ فراشات  ليلية/ لنهارٍ يبلل شفتيه بكأس الحكاية)، وحيناً ترسم هذه السيرة في بيئة استلبت منها صخب الحياة (خلتني جنية/ أرتمي في صباحاته/ فأيقضني ملحّه، أنّ لي قدمين/ وحورية مجبولة بالرقص/ ماكان ينقصني اكتشاف جهلي).

في مذاقها الأنثوي - الفصل الآخر من الديوان - تستطعم ليلى لذّة التمرد وتباغت منذ مقدمة هذا الفصل (من منا أشد تهوراً.. أنا أم الكلمات) في تحد صريح بينها وبين قيود الشعر، وتحدد في قصيدتها (أؤثث الصباح بطعمٍ أنثوي) مسارات هذا التمرد (إني لأعشق/ صورتي/ فتمثلني سويّة الضلع) وحين تبدأ في استلطاف الكلمة في (وبشر الشاعرات) تقرأ إفاضات هذه البشرى في وقر  أنثوي تطالعنا به (وبشر الشاعرات/ بتفاحة/ سحرها الهوى/ أدار وجهها/ خيّط فمها/ ثم قال/ فيضي دمعاً) ولازالت حتى الآن تستعطف براحتيها جموح الكلمات لتبين في نهاية هذا الفصل شقاوة الكلمات تقتصّ من وجع أنوثتها (سيعتذرون/ أني نهر لايُمس وسيعتذرون عن صخرة ليلي لئلا تقع).

تبدو الشاعرة مُحاطة بفوضى الروح في (مذاق الذهاب) حين رسمت فيه روعة التناقضات بين حضور الأمكنة وغياب الذات، هذا المذاق يفتح شجونه على قراءات متعددة تستفز القاريء للتورط فيها، ومن خلال مساءلة الرحيل، المفردة الحاضرة بقوة في أغلب قصائد هذا الفصل تنطلق السيد في بهائها تذكر بالحضور فتقول (أحضرت أمكنتي/ كي تغني/ حتى تزرع فجراً بأهدابي/ أثملتك بطرقات القمر) ولعلّها مرهقة ببحث انتهاء هذا الرجل، تعانق عينهُ في الغياب حين تكشف بدهاء الإنثى محاولات الهرب التي يصوغها فتطلق له العنان للرحيل في قصيدة »هرة نعا« (أرقٌ/ لاتنم/ أمامك البحر/ تخرج باحثاً عن أنثى أكثر معرفة بك مني).

وتوغل الشاعرة في حيرة الأنثى بين العاطفة والعقل، الحب ولبوس الكرامة في قصيدتها (أحجية) لتقع في مدارات الشتات، ذاك الرجل  المشوب بالذنب يعاودُ إنكفاءهُ إليها فتتجرأ (عقلي يسبني/ سأشترط أن يكون الوقت/ شاهداً على الحكاية).

في مذاق الحب تسجل الشاعرة مسافات تقطعها بين التوجس والأمنيات وتبدأ رحلة الحب من المدرسة في (أغني لإشارة حمراء) حيث ترسم في القصيدة شغفها بتفاصيل الرحلة اليومية محاطاً  بنبؤات تتلمسها الشاعرة في وجوه التلميذات فتقول: (الإشارة حمراء/ أغطس رأسي في تقاطع امنيات تربوية/ ومامن سمكة تخرج).

تعيش الشاعرة ألم النزاع ومعاناة الصراعات و في فصل (مذاق الحرب) وبلغة مثقلة بالهموم تدافع عن حلم الحب في قصيدة (ثقافة ضد الحب): (ياإلهي/ أحلم بمستقبل غبي/ يبدأ بما بعد الحرب/ عد ياصديقي/ بعد الحرب/ لنخضع/ لنصل/ ماشوهته فينا).

ثم في قصيدة (أجندة) تسرد السيد شجون العراق في تراجيدية مفرطة عمقتها بمفردات الحزن المستوحاة من بيئة المجتمع العراقي ومدائنه: (بالأمس غنينا/ نخل السماوة/ وعنون رسائله بمدن العراق/بعيدان قصب تنبت في كلماتي).

في المذاق الأخير، مذاق العزلة تتعمق الشاعرة في ثقافة اللامرئي التي تصنعها ثوابت المجتمع وتأويلاتهم فتبدأ منذ أول الفصل : (رأسي بات أصغر/ حصاة من شاطيء اللامبالاة/ رأسي يصغر/ بِأفكار الغير وتكهناتي) وتستجمع في (نسيت حبة الإسبرين) مرثية المرأة المقيدة بنظرات الرجل والقابعة في عزلة قضاياها (أشد امتناني لنظرتك الزرقاء/ نحو تبدلات آنيتي/ على نحوٍ غامض  أصعد الجبل/ لئلا تقيدني ألحان الرثاء). في مذاقات العزلة الست نقف بين سرد  مقصود لمتعة لاتحاكي التقليدية والتتابع المزري للموضوعات ومنذ الفصل الأول حتى الأخير لاتنفك السيد ترسم عالماً من المتعة النثرية تتداخل فيه المواضيع وتتناثر فيه الرمزيات، فضاءٌ من النثر يأخذك إلى روعة القراءة وبهاء الكلمات.

الأيام البحرينية في 29 سبتمبر 2006

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى