لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

»مذاق العزلة« للشاعرة ليلى السيد

هل خرجت الكتابة نحو الشعر أم بقيت في فصل الدرس؟

بقلم: علي الستراوي

في جديد الشاعرة البحرينية ليلى السيد، وعبر دار فراديس للطباعة والنشر 2006 خرجت لنا السيد بمجموعتها الشعرية الحديثة الإصدار ''مذاق العزلة''.

وقبل أن أدخل في تفاصيل ما تحمله المجموعة، أقف مع سيرة السيد في الإصدار، حيث صدر لها ''مررنا هناك'' مجموعة شعرية ,2003 والتي تم ترجمتها بجنب قصائد أخرى للإنجليزية والأسبانية والألمانية عام .2005

    في جديدها ''مذاق العزلة'' الذي تقدمه باهداء جميل وذات بعد مكاني، سوف نتحدث عنه عبر مفردة الشعر عند السيد في المجموعة، ولكون الإهداء فاتحة الحكاية فسوف لن نتيه ولن ندخل في حيرة تفسير الإهداء الذي يقول: ''له عندما يغلق صندوقي على حكاية (العلوية) الصغيرة. لها حينما تكسر بغنائها وحيدة .... الى أبي وأمي''.

من المعروف في الأدب أن المكان أكثر مايرتبط به أدب الرواية ومن أهم العناصر في الرواية، كونه الموضع الذي تجري فيه الأحداث وتتحرك عبره الشخوص، وهو رحب متسع تتحرك عبره كل عناصر الحدث في الرواية، وتبقى موازين تحدد روح المكان، بين مكان واقعي وآخر خيالي، وهو نسيج الراوي، هذا في الرواية.

أما في الشعر، قد يكون المكان مرتبطاً بسرة الشاعرة، حيث تلك الذكريات التي تقودها نحو شواهد لمكان ما، قد يكون هذا المكان مدينة أوقرية، وقد يكون وطناً تجتمع فيه كل هذه المفاصل الحياتية، فمن هذا المنطلق نقرأ المكان على أنه وجود لواقع محمل بالذكريات، المفرحة منها والمؤلمة، الجميلة في بقائها والباهتة في فعل مطباتها الأخرى، فمن هذا الخيط قد نتمسك بخيوط أخرى نتحسس عبرها ما للمكان من نفح لازال يثير الذاكرة ويشاغبها.

إذاً، حكاية الشعر في انطوائها بالمكان مختلفة عنها في الأدب الروائي، لكنها في الفهم تتصل بالمكان متوحداً في عطائه، ولو كان هذا العطاء متسعاً كما نقرأه في الرواية، نراه منحصراً في القصيدة.

مذاق العزلة/دفتر المعرفة

انطلاقاً مما حمله العنوان قد يتضح لنا أن الشاعرة حينما غلق أبوها صندوق حكايتها، كانت النطفة (أنثى)، وهي ''العلوية''، وحينما اختلطت الروح بسكرتها، كان الغناء بوح أمها التي نسلت لها شعرها وزفتها للحياة، تلك هي الشرارة الأولى، نطفة، والأخرى جدل للصراع، صراع قد أسس في ذاكرة السيدة ذلك البيت وتلك القرية السادرة في عنفوانها وهدوئها وجدلها، صراعها، كتبته الشاعرة في دفتر معرفتها حينما قالت:

التي رضعت من حليبي

جاءتني بجدائل مسبوكةٍ

بلون الفجر

وحبيبٍ يحترف الغياب...!!

قد تكون هذه الصورة واقعةً بين فضائها الحاضر وبين سكرتها المسجونة في احتراف الحبيب للغياب. و(الغياب ) مفردة تقودنا لكل ماهو جميل قد ارتبط بنا وبأناس نحبهم ويحبوننا، لكنه غاب إما بفعل الزمن أو بفعل قسرية الأيدي القاسية، وكما أن الشعر مرتبطاً بين وجع وذكرى وحياة، وموت، فالغياب يوقعنا بين الفرح والهزيمة والانتصار، كما يرى الشاعر شوقي بزيع في ماهية الشعر العربي معتبراً الغياب أكثر الحضور مواظبة في الشعر.

ومن هذا الغياب تبرز قدرة الشاعر على حمل الصورة التي تتمسك بقارئها، فتنتقل به من جهة لأخرى، بين مكان غائب وآخر حاضر في الذاكرة.

إن الصورة التي رسمتها الشاعرة بين الرضعة الأولى التي رضعتها من حليب أمها وبين حياة تلونت بلون فجرها، حين اختارت حلمها ليكون حبيبها هوالواقع بين الاحتراف السري والآخر المكشوف، لكنه في مفهومه العام يعني لنا ذلك (الغياب) وهو التفسير الذي تتركه الشاعرة للقارىء. وهذا ما قدمته ليلى السيد في جدلها الغائب الذي قادنا الى (المكان) من القرية والناس في أول سطور الكتاب، وكما أشرت الى أن المكان هو الخيط الرابط بين هذه المجموعة، فالمكان لم يبتعد، لكنه في صيرورته ظل فعلاً لحدث ما قادنا عبر القراءة الأولى لافتتاحية الكتاب للشعر، لكنه غاب عنه وسوف أشير له عبر قصائد المجموعة، ففي قصيدة مروية نرى الحكاية أكثر جلاءً:

''نساء قريتي

يمشطن سعف النخيل،يضفرنه

بعذوبة المواويل

يُبعدن البحر

عن صخب المتألمين

يمنحنني...

فراشات ليلية

لنهار يبلل شفتيه

بكأس الحكاية''.

إن الصورة الشعرية ترسم علاقتها بالمكان وبشخوص لاتعرفهم بأسمائهم، فتشير إليهم عبر تلك الذكريات وما تحمله القرية من خضرة الروح وجدل للمكان، بين ذاكرة تقف بنا في صحن دار الجدات والأمهات، حينما تكون الحكاية منحة أخرى تضعنا بين إطارها ليس في وضعية المتأمل؛ لكنه في وضعية الفاعل في الحكاية، بين مواويل الجدود وسحر الخضاب من الجموع التي تفترش الدار بعذوبة الليل وسحر النجوم.

وحينها تكون الحكاية وطناً متسع الحلم والقسوة، فالرسم ليس له حدود نقف عندها ثم تتلاشى، لكنها فضاء يسع الروح من الذكريات وهذا ما تقودنا اليه قصيدة ''بحر الجنية'' حيث تقول الشاعرة:

''بلاد قــــــــــــــســــــــــت

ما أردته من وجه أمي

لم أجدهُ في بهو دفاتري

وما ولعتُ به من ظلِّ جدتي.. اختفى

الفراغ الذي حُطت به طفولتي

سرقته الأنوثة التي بكرت

امتلكت بعض ليلي

فغادرتني الشمس''

الشاعرة عندما أدخلتنا الى المكان، قابلتنا أول ما قابلتنا به تلك الذكريات التي ظلت تجدن ضفائرها، بين مارأته قسوة، وبين واقع لم تقرأه في دفاتر أمها، لأن الأنوثة كبرت معها فتاهت في بعض ليلها بين شغف للحياة وأخرى للشقاوة، كماترى الشاعرة:

''لبلاد جسدت شغفي بالحياة

بلاد قست..

وجهٌ مكرر

باق على نخيل قريتي''

إن الحكاية أكثر تماسكاً في سردها، لكنها غائبة في واقع صورتها في النص الشعري، كون الشاعرة غلب عليها روح الحكواتي مما أفقدها فضاء الشعر، فأصبحت الذكريات مجرد صور لقصة تسردها الحكاية عبر ذكريات الأم التي أثارت حنينها الشاعرة. في جهة أخرى أبرزت فيه المكان من القرية، لكن غاب عن الشاعرة إبراز الخيال الجامح والقائد لزمام القصيدة، فالكلمات جاءت باهتة لاتحمل من الشعر إلا اسمه، فكلمة ''وجهٌ مكرر'' من قصيدة بحر الجنية  ص 13 كلام لايحمل من روح الشعر شيئاً، أقرب منه للسرد الحكواتي منه للشعر، مما أبقاها في عزلتها بين التركيز على روح السرد القصصي دون صوت الشعر على الشاعر من ناحية تفجير الذكريات الكامنة في الروح.

فليس الغياب وحده شكل قصيدة ليلى السيد، بل بين الغياب هناك المكان كما أشرت اليه وهناك الأم وما تركته رائحة أهل القرية في قصيدة ليلى من حكاية برز فيها السرد على الشعر.

ولكن باختلاف النصوص تختلف اللغة الشعرية لدى الشاعرة، فلو ابتعدنا عن أجواء قصيدة ''بحر الجنية'' التي أشرت عبرها بأن الشاعرة غلبت اللغة السردية على فضاء الشعر، نرى صورة أخرى تبرز فيها اللغة الشعرية قليلاً ثم تختفي تدريجياً لتدخلنا الشاعر مرة أخرى في بيت المفردة السردية وذلك في قصيدة ''مذاق أنوثي'' ص19 التي تقول عبرها:

''من منا أشدّ تهوراً

أنا

أم الكلمات؟

هي التي تعلن سري

بيقين الإشاعة

وأنا

أغمضُ نونَ النسوة

على حروف الشهقة''

لو وقفنا على ما رسمته الشاعرة في افتتاحيتها لقصيدة ''مذاق العزلة'' لرأينا كيف وظفت أول خيط في القصيدة بمدخل غلبت عليه اللغة السردية، كقولها:

''من منا أشد تهوراً''

هنا لم تعطينا الشاعرة ما يغرينا من عزلتها في قراءة نص شعري، لكنها في جانب آخر من القصيدة تقرئنا من نفس القصيدة ''مذاق الأنوثى'' ص21 صورة ترتدي البوح الشعري بعيدة عن لغتها السردية وذلك عندما ترسم في قولها:

''أغمضُ نون النسوة

على حروف الشهقة''

في احتواء الشاعرة لذلك الخيط الجميل من البوح، قد أسكنت الشاعرة عبره جمالية خاصة في قولها ''اغمض'' مفردة في عبر ذاتها استطاعت أن تنقل القارىء الى جو من التخيل والسرحان، وهذه وظيفة الشعر، تحفيز الذاكرة نحو التخيل وتلمس ما للتخيل من جمال خاص حملته المفردة ''اغمض''، وأيضاً في قول الشاعرة ''حروف الشهقة'' ليس بالكلام العادي والمعمول به في الحكي ولكنه وجه آخر من الخيال المحفز للذاكرة، وهذه الوظيفة هي التي تميز الشعر من غير الشعر، فكيف أضاعت الشاعرة هذا الخيط وقامت بخلط الأشياء الشعرية بغير الشعرية  كقولها:

''من من أشدُّ تهوراً

أنا..

أم الكلمات''.

ولوتوقفنا قليلاً مع قصيدة '' تحكم '' ص17 من الديوان لقرأنا:

''نساءُ موطني

ربات بيوت الهواجس

يتحكمن.. بأنفاس الشمس

على أجسادهن

فتزداد ساعات البرودة''.

لن أشرح هذا النص، وإنما سأتركه بما يحتويه من مواطن للشعر وأخرى للحكي، وذلك حتى أعطي للقارىء ما تحدثتُ عنه، على أن الشاعرة السيد أخذها السرد عن فضاء الشعر، فشكلها حكاية للكلام قبل أن يشكلها حكاية للشعر. وعبرمواطن كثيرة حملها الديوان وهي بحق قد توزعت بين لغة تحكى وبين شعر منتوف الشَعَر، تلونت عناصر هذه الحكاية، فتارة منشغلة بدرسٍ ما، إما طالبات يهوين لغة الحديث وأخرى بين شعر في بعض كلماته غير المكتملة الأعضاء، نستجلي هذه الحيرة وهذا المطب التي قاد السيد نحوه، وسوف نرى في بعض ما أشرت اليه مواقع الخل والقوة والضعف.

السيد في هجرة الأكسجين

وفي ظل ما توقفت عنده، بين لغة شعرية وأخرى كتابة، أرى أن الشاعرة ليلى السيد قد حصرت نفسها بين أكسجين خانق والآخر أكسجين حياة، ولوقرنت هذه المجموعة بمجموعتها البكر''مررنا هناك'' الصادر 2003 لرأينا الفرق الشاسع بين تلك المجموعة ومجموعتها الجديدة، بين خيطين متصلين بالشعر والكتابة، ففي ذلك البعد الشاسع بين الأول وبين الجديد نرى أن هناك فرقاً شاسعاً، كون مجموعة ''مررنا هناك'' قد قادت قارئها نحو الشعر بعيداً عن مطبات الكتابة إلا ماندر، أما في الجديد ''مذاق العزلة''  تقودنا ليلى السيد نحو تلك المفردات التي غلب عليها لغة الاستاذية، والهنات الإنشائية، وكأني بالسيد لم تخرج من فصل طلابها، فكتبت قصيدتها من أجواء التوجيه التربوي للمدرسة حيال طلابها، وهذا قد وضعنا أمام لغة السيد في موضع الناقد لا موضع المتأمل لجماليات المفردة وأبعادها الشاعرية. فلو قرأنا من قصيدة ''هجرة الأكسجين'' ص67 التي ترسم عبرها الشاعرة قائلة:

''أكتب شعراً على نخيل البحرين

أو في أيّ مكان آخر

فما بين البحر والبحر لاتقبع

اليابسة''.

في هذا المقطع نرى لغة السيد ترتدي حديثاً إنشائياً عبر كلمات قد تصلح لطلاب مدرسة في درس الجغرافيا، ولا تتصل بخيط الشعر، لأن كل أجواء الكتابة تقود قارئها لعبارة ميتة، عادية قد يقولها أي إنسان متعلم، وليس شاعراً.

وفي قصيدة ''نسيتُ حبة الأسبرين'' من نفس الديوان ص101 تأخذنا الشاعر نحو الحب، وأي حب تريده الشاعرة، هل هو حب الشاعرللكتابة؟ أم هوحب المتعلم نحو حب فهم الكتابة؟

سؤال أطرحه على الشاعرة، سائلاً إياها، عندما قالت:

''إذا كان الحبُّ هو السؤال

فكم من حاجزٍ نقتله هنا!''

هل هذا النوع من الكتابة الإنشائية يعطينا شعراً يقرأ، فيندس بداخلنا مثيراً القنا قبل العين في تأملها له؟

وهل في وضع الشاعرة لسؤالها أداة التعجب قبل أداة السؤال هي حكمة سنها النحوييون في اللغة، أم هي هفوة قد فاتت على الشاعرة؟

هل ما نقرأه للشاعرة ليلى السيد شعراً أم كتابة؟ مجرد سؤال، لأني مدرك أن الشعر يعتمد في بصيرته على الذائقة، وقد أكون أخطأت التعبير في قراءتي للديوان، الذي أغراني لحظة قرائته، كون الإخراج الجميل كسر حاجز النقد، لكن أمانة الرأي هي سكين أخرى أمام الكاتب، فلم توفق في اعتقادي ليلى السيد في جديدها، الا في الناحية الإخراجية، وذلك لأن فنيات الإخراج جاءت بإحساس إنسان مبدع وهو زوج الشاعرة حسن حداد.

واتمنى أن لايفهم من رؤيتي أن شاعرتنا خارج الإبداع، فهي مبدعة، إلا أنني في جهة معاكسة لما رسمته الشاعرة من إحساس أراه ضيقاً في ارتدائه قميص الشعر، وأمام القارىء خطان، إما أن ينهج الخط المحابي والمعسول بالمديح والإطراء، أو يخالف محاباته ويستند على الخط الناقد، وهذه معضلة قد يفهم منها أنني قد قسوت على السيد في جديدها، ولكنني على ثقة بأن ليلى السيد كشاعرة تعرف معزتي لها وتعرف أنني لم أنهج خط الناقد إلا من باب الحب، فليس من أحبك مدحك، ولكن من أحبك عرفك بمطباتك، ونحن لازلنا في واقع الثقافة ننظر على من ينتقد تجاربنا بتوجس.

أتمنى من ليلى أن تعي تقديري لها، وأن تقرأ المجموعة وتعيد قرائتها أكثر من مرة، وسوف تكتشف أشياء لم أتطرق إليها، وأنا واثق بأن الشاعرة السيد هي أكثر إحساساً مني. وكل ما أشرت اليه لم يبعدني عن تلك الألفة التي جمعها المكان ''القرية''، توزعت عبرها الذكريات وأسارير الروح بين دقات الشاعرة وبين الأب والأم والجدود هم نفح روحنا  الشاعرة. وفي بيت الشاعر يجب أن نخرج من سيرة سردنا ونتجه نحو الشعر حتى لانفتقد عذوبة الشعر، أما لغة الكاتبة في سردها وإنشائها نجد في البيت هناك شاعرة وهناك قلم. وأيضاً في المدرسة هناك أستاذة وهناك شاعرة!

فهل خرجت السيد من فصل المدرسة لتكتب الشعر؟ أم ظلت حروفها درساً جديداً يعيد لغته الإنشائية امام الطالبات، يعرفنا بالمكان وسرّتنا الأولى؟

الوطن البحرينية في 14 نوفمبر 2006

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى