لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

ليلى السيد في مذاق العزلة:

عزلة عشق يتفتح

بقلم: أحمد المؤذن

 في "مذاق العزلة" انصهار وشفافية تعبر مجازات الروح وصولاً إلى فضاءات التجربة الإنسانية، كما قرأتها الشاعرة البحرينية "ليلى السيد" في إصدارها الشعري الجديد عن دار فراديس ـ البحرين، الطبعة الأولى 2006م، بـ(111) صفحة بين دفتي غلاف رقيق القسمات من تصميم وإخراج حسن حداد.

وقد تعمدت "ليلى السيد" تأثيث عالمها الشعري من دون ضجيج، تخبز أرغفتها الشعرية من قصيدة النثر بكل هدوء اللغة الشفافة الوقع، ضمن إيقاعية موسيقية تتفجر من باطن القصيدة مملوءة بحسها الأنثوي تسرد حكاية "الأنثى" كما فيقصيدة (أحرك ليل بلادي ـ ص29).

أحرك ليل بيتي

أحرك ليل بلادي

أرحل معه باتسع الضياع

بين جب وآخر

بين قدر وآخر

فلا أفهم ما الذي يسكنه

ويبقيني متحركة

 

(2)

يتخدونني أماً

وآلهة حين يمتطون الليل

أماً وآلهة

وينسون أنني أنثى

يغادرها الحنين

لليل متحرك

يبدو جلياً في هذه المقاطع التداعي الداخلي الممزوج بالغرائبية التي أدخلتنا "الأنثى" ضمن دوامتها لخطة الإشتهاء والإندفاع الغريزي حينما يشتاق الطين إلى الطين.

فتنامي هذا الإندفاع الجنسي يحرك ليل البشرية ويخلق الحياة احيث نؤله "الأنثى" وننسى أنها أنثى، حينما تطيح بنا سكرة الإنتشاء!

وهنا.. تجنح "ليلى السيد" في خيالها الشعري نحو المثيولوجيا اليونانية التي اسبغت الألوهية على "الأنثى" لكي تقول بعدها أننا يجب أن نحترم هذا الكائن، فهو إنسان كامل الأهلية. وتبقى وجهة النص منفتحة على دلالات أخرى انطلاقاً من غور الأنثى البعيد وسرها الدفين، فما الذي يسكن هذه الأنثى؟؟

على الأرجح شاعرتنا لن تغامر وتفشي سر نون النسوة، لتترك متلقيها يدور في فلك الأسئلة.

الأسئلة التي تحفل بها القصائد، حول ثيمة الحب وتشظياته في حياتنا اليومية وبالذات حول الأمكنة التي نألفها ونوطد علاقاتنا معها، فالتدفق الشعوري عند "ليلى السيد" يتصاعد في تجلياته الوجدانية مخترقاً "بديهيات" يومنا الزائلة المؤقته الحضور في الصور البصرية المتحولة، وهو ما تعكسه بوضوع فصيدة (أغني لإشارة حمراء!! ـ ص 57).

بيني وبين المدرسة

إشارة ضوئية وحيدة

إشارة تفتت صباحات الشوارع

وهكذا..

كلما دنا الطابور

دنت الأقداح المتمردة

وضعنا إشارة حمراء

زرعنا الإشارات وحمرنا عيونها

كرموز رحيل الأرباب

بهداياهم خائبين

 

دورة صباح.. ..

رغبتي كسلى

صوتي يبحث عن هواء صافٍ

عن هبوب ضحكاتهن أحياناً

عن تناسٍ يبادر الورق

 

استلال خفيف

بخفة وجه سمية ومي

وعلياء وعبير

وجوه زينب وزهراء

 

وتلميذات الدرس الأول

دورة صباح يذوي بأصواتهن

إذاً.. لا أوضح من فنية التداعي المخزون بالذاكرة مما يتكرر حدوثه في ساعات اليوم، تعيشه الشاعرة وتنجح في تحطيه كروتين لتلفت انتباهنا إلى ما ورائية الإشارة الحمراء في الممارسة الحياتية المعاشة، وهو بحق اختراق حاذق يلبس الروح الفلسفية في النظر إلى الأشياء ونبش بواطنها لتأسيس إيحاءات وجدانية تحكي سيرة المكان وتفاعل "المبدع" في قضاءاته، حتى وإن بدت هذه الفضاءات باهتة الحضور في سيقها البصري، إلا أن حساسية المبدع تتوغل وتقرأ ما حولها بشكل مغاير.

وكأن الشاعرة بتوغلها في تفاصيل يوم دراسي كما جاء في القصيد، كأنها تكتب صفحة من مذكراتها الشخصية وتتفاعل مع تأملاتها في تحليق نثري حر يكتب نفسه ضمن بنية القصيدة كما لو كان نصاً قصصياً فصيراً، فترز هنا المزاوجة الذاتية في سياق معمرا إنساني ملتحم بالتجربة.

ومرة أخرى.. مع رقصات العشق، وهذه الإنطلاقة المخملية في فضح حنين "الأنثى" العاشقة، تغزل خيوط حبها منساقة إلى قدرها الأزلي.. ففي قصيدة (معرفة بطعم الشكولاته ـ ص 105) ينداح هذا التوهج الجميل ويملأ فجوات الوقت عابراً العمر.

حين لا تراني

أجد السير إلى معبدك

تغشاني محبتك

وسكرة خفيفة بضوئك

 

حين لا تراني

أرى شفاهاً طرية

ابتاعت كرزاً

وأهدته لنقاط

بدايتي ومنتهاي

 

حين لا تراني

سأحكي أشجار صمتي

في الحديقة

وأزهار المسرات

استيقاظات عاطفية رهيفة الوقع، لها تصاعد جميل مرتبط بذاكرة "الجسد" في لحظات فورانه، نجد أمامنا رجلاً وامرأة وحكاية حب ضاربة جذورها في عمق الورطة اللذيذة التي تجمع الاثنين حيث تسمى الأشياء كما هي دونما مواربة أو خجل وهي أشبه ما تكون بتداع حر يتجاورز "تابوهات" البيئة المعاشة وبذلك تمارس "ليلى السيد" لغاتها ضمن بنية النص، لعبة مراوغة تعري اللحظة الإنسانية ببساطة على خشبة مسرح الواقع من دون قلق.

في الإيجاز والتكثيف ضمن بنية النص عند "ليلى السيد" تكمن القصيدة وفي الإيفاء بطاقتها الروحية المخزونة وهو ما يتطلبه إيقاع عصرنا المتسم بالسرعة سعياً نحو "متلق" إيقاع حياته أسرع.

فمن جسر التجربة الأولى "مررنا هناك" الصادر عن إدارة الثقافة والفنون 2003م وصولاً إلى "مذاق العزلة" وفقت الشاعرة إلى التمكن بترويض كلماتها ومفرداتها وفق السياقات النفسية المتداخلة وقد طافت مختلف المناخات الحياتية من حب وحرب وعشق ووطن تسكنه "ليلى السيد" شاعرة تمارس عزلتها الشوكولاتية تغفو على زهرة الحب وتفتح شباك الليل لتطرد برد المنافي وتطارد الحقيقة بحثاً عن ماهية الأشياء وتراكم تساؤلاتها، مهما يكون فنحن قد وفقنا إلى الاهتداء بهذه الريح الطيبة، تندلع من عمق هذا الديوان يؤكد حضور "السيد" تتواصل مع قيثارة الشعر واثقة الخطى تصر على ارتكاب عزلة من نوع آخر.

أخبار الخليج البحرينية في 20 يناير 2007

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى