لاحق

ما كتب

سابق
 
 

 

 

ألـ.. هي: توق اكتمال:

قراءة في «مذاق العزلة» للشاعرة / ليلي السيد

بقلم: محمود عبد الصمد زكريا

 إذا كان المتتبع لمسيرة الفنون الإنسانية منذ النصف الثاني من القرن الماضي لا شك يبدهه ما امتازت به هذه المسيرة من حراك فكري ومعرفي هائل ؛ ومن صلات شابكة بين أجناس الفن .. شعر/ قصة / تشكيل / سينما / موسيقا .. الخ

علي نحو أزاح الحدود الفواصل بينها؛ وسلط الأضواء علي مناطق التقاطع التي لا يمكن لفن واحد بدونها أن يستقل بالنظر؛ وأبرز من الإشكالات المعرفية ما يفوت المتتبع الحريص؛ فهكذا انسلت المذاهب والنظريات من حدبها؛ ونزت بينها نوازي الخلاف المنهجي؛ وأنتجت من الأسئلة فوق ما قدمت من إجابات؛ ومضي الأمر علي هذا السحب والجر حتى

غدت الإحاطة بدقائق الخريطة المذهبية للفن والشعر خاصة ً غاية يكاد ينقطع دونها الدرك

.. وكان ذلك ؛ وما يزال هو الشأن علي العدوة الفنية القصوي ؛ فماذا عن أمرنا نحن علي هذه العدوة الدنيا ؛ أعني ما ذهبنا إليه من

تحديد زماني مكاني فني نوعي يقتصر علي إبراز طوق اكتمال ال..هي ؛ بال..هو ؛ خلال قراءة ٍ سريعة لواحد ٍ من دواوين شعر الفصحي لواحدة ٍ من شعراء البحرين في العصر الحديث ؛ بين يد يَ إذن ديوان ( مذاق الغربة ) للشاعرة البحرينية / ليلي السيد

 

تأسيس أوّل:

الشعر شيطان ذكر

يقول أبو النجم العجلي

وهو جمل بازل

كما يقول الفرزدق - ..

أليس للأنثى بوصفها إنساناً أي نصيب من لحم هذا الجمل البازل؛ أو همسات ذلك الشيطان ؟ أم أن الجمل؛ والشيطان باعتبار هما ذكرين ينحازان إلي جنسيهما..

لقد ظلت الخنساء مثالا واحداً لم يتكرر في ثقافة الشعر العربي علي مدي لا يقل عن خمسة عشر قرنا ً-  رغم ما ذكره صاحب الأغاني من أسماء أنثوية كثيرة كان لكل منهن عنده نموذج؛ أو أكثر  -حتى ظهرت الشاعرة العراقية نازك الملائكة عام 1947

م لتحطم أهم رموز الفحولة الشعرية وأبرز علامات الذكورة؛ ألا وهو عمود الشعر؛ لينطلق مسمي؛ أو مصطلح أنثوي جديد هو القصيدة التفعيلة؛ التي اعتمدت بدورها علي نصف العروض الخليلي؛ أو علي ثمانية أبحر فقط هي الأبحر الصافية:

المتقارب المتدارك الرمل الرجز الهزج الكامل السريع الوافر..

وكأنها ارتضت بنصيبها من ورث الآباء؛ ولهذا مغزاه؛ حيث في هذا الأخذ؛ والترك علامة واضحة لأن البحور الثمانية المختارة تحمل سمات الأنوثة من حيث كونها قابلة ً للتمدّد؛ والتقلص كالجسد الأنثوي المرن يزداد وينقص حسب الشرط الحيوي في تولّد الحياة فيه وتمددها بداخله؛ وانبثاقها منه؛ وتستمر فيه سمة قبوله للزيادة والنقص؛ وقدرته علي النزف دون أن يفقد الحياة

.. هذا من ناحية؛ ومن ناحية ٍ أخري فهذه البحور الثمانية هي بحور قريبة من الناس لبساطتها؛ وليونتها؛ وخفتها

هل نستطيع القول إذن بأن الفتح الشعري الجديد قد تم علي يد امرأة ؟

.. علي كل حال هذا هو ما حدث بالفعل من امرأة شاعرة عربية.. المرأة التي كانت في المعتاد الثقافي مجرد كائن تابع وضعيف ( 1 ) .

تقول مي زيادة: "  أسيادنا الرجال"

أقول أسيادنا مراعاة؛ بل تحفظا ً من أن ينقل حديثنا إليهم فيظنون أن النساء يتآمرن عليهم.. فكلمة أسيادنا تخمد نار غضبهم.. إني رأيتهم يطربون لتصريحنا بأنهم ظلمة مستبدون . ( 2 )

تقول ليلي السيد :

شكرا..

مازالت الإشارة محض ضوئية

فهل ستوصلني بهدايا الأرباب

يا آخر النها ؟!!..................... ( أغني لإشارة ٍ حمراء(

 

تأسيس ثان :

"بينما تذهب الشاعرة؛ والكاتبة الأمريكية المعاصرة إيف مريام في حديثها عن الحركة النسائية إلي القول بأن كثيرا ً جدا ً من الكتابات التي تنادي بتحرير المرأة هي أعمال دعائية؛ سطحية؛ وخاوية؛ وتقوم علي استثارة العواطف؛ وأن القليل جدا ً منها هو الذي يعتمد البحث والدراسة والفهم؛ كما تلقي الاعتراضات علي هذه الحركة الكثير من الترحيب من السياسيين المحافظين؛ ومن اليمينيين؛ ورجال الدين؛ وبعض الأوساط المالية في الولايات المتحدة؛ كما وتميل وسائل الإعلام بوجه عام إلي المبالغة والتهويل في نشر الاعتراضات مما يلقي علي الحركة كثيرا ً من ظلال الشك؛ بل والسخرية من أهدافها وأساليبها في التعبير عن هذه الأهداف...

تذهب الكاتبة الأمريكية بيجي كونيجرزإلي أن الدولة ليست إلاّ تنظيما ً ذكوريا ً بطريركيا ً متسلطا ً يجب التخلص منه مثلما يجب التخلص من الشعور بالاغتراب؛ كما وتدعو إلي إعادة صياغة وتشكيل المجتمع الحالي؛ وإقامة نمط اجتماعي جديد يقوم علي نبذ الثقافة الذكورية التي ظلت مسيطرة علي الوجود الإنساني خلال كل مراحل تاريخه...

هذا؛ وقد وصلت حالة الرفض والاحتجاج إلي ذروتها عند بعض الجمعيات النسوية؛ ويكفي أن نشير هنا إلي إحدى الجمعيات التي نشأت في الستينيات فقد أطلقت هذه الجمعية علي نفسها اسم وهي الفترة التي شاهدت ازدهار الحركة النسوية؛ ولقيت الكثير من التجاوب Society for gutting up men ))( جمعية تقطيع أوصال الرجال )

تري هذه الجمعية ضرورة أن يؤخذ الر جال ؛ بل والسلطات الحكومية الرسمية بالشدة والعنف ؛ وأن الإضراب الحقيقي هو ضرب الرجال في مقتل . ( 3 )

... وبغض النظر عن هذه الجمعيات المتطرفة فإن عددا ً كبيرا ً من المفكرين ؛ والكتّاب من كلا الجنسين يدافعون عن الحركة النسوية وأهدافها التي لا تخرج عن المبادئ الإنسانية والقيم العليا الأساسية ؛ وتراعي في مجملها مصلحة المجتمع الإنساني ككل ..هذا وقد رأيت أهمية إثبات هذين التأسيسين - كما يقال- لغرض ٍ في نفس يعقوب.

........................................................... وبعد ...................

يطل الهم الأنثوي في الشعر العربي دائما ً علي استحياء جم بين الجيل والجيل ؛ فعدد الشاعرات في الجيل الواحد ؛ في البلد الواحد عادة ما يعد علي أصابع الكف الواحدة ..

ونادرا ً ما ينشغل أحد بهذا الهم انشغالا ً حقيقيا ً لدرجة الكتابة عنه ؛ وعادة ما يأتي هذا النادر أيضا ً بأقلام ذكورية خارجة من رحم السلطة الأبوية التي تسم الثقافة الشرقية والعربية كلها بسماتها التي تفرضها البيئة الاجتماعية والنفسية ؛ والتي تعاضد النظرة

المتدنية إلي كينونة المرأة ؛ ولا سيما حين تسفر المرأة صراحة عن مشاعرها إزاء الآخر الرجل /

.. رغبة منها وتوقا ً للاكتمال به دون خوف من رقابة صارمة ؛ ودون تحسب من استلاب هويتها

.................................... وبعد ...............

الخصوصية النسائية هو ما ينبع من طبيعة وسجية المرأة ؛ وما يمور في داخلها من غليان وجداني ؛ يعكسه ؛ أو نقول :

يفضحه ؛ ويعريه ؛ ويجليه خطابها الشعري الذي يأبى عليها الانغلاق علي ذاتها ؛ وتهميش كينونتها المبدعة ؛ واستلاب زمنها ؛ تقول ليلي السيد :

إذا كان الحب هو السؤال

فكم من حاجز ٍ تقتلعه هنا

سيكون علي المنافي أن تنشف برودتها

بهاجس ٍ بسيط ..

أنت ترسم

أنا أغني

إذن أوقف الفلسفة !!

إنه توق اكتمالها بالآخر/ الرجل؛ هكذا ببساطة؛ دون حواجز؛ دون منافي؛ دون فلسفات؛ فقط :

أنت ترسم ؛ أنا أغني ..

فالحالة لم تعد تحتاج للف والدوران؛ بل للصراحة والجرأة في التعبير عن الافتقاد

تك؛ تك؛ تك.. هاجس ٌ بسيط

سعادتي في أشيائي الصغيرة ..

أدرك إني أحيا مرّة ً فيك َ

فتستعيض بي مسيرة ً لمرثيتهن

أشد امتناني لنظرتك الزرقاء

ونحو تبدلات آنيتي ..

هكذا دون ريح - وهنا اختيار موفق للفظة يدل علي وعي عميق باللغة حيث الريح نذير شؤم وويلات "ريح صرصر عاتية"

أمّا الرياح فبشير خير وخصب - تقطع ما بيني وبين الحقيقة؛ وما بيني وبين ذكريات تولد بجنب نخلتنا؛ ..

هكذا دون غموض وألحان رثاء ..

هكذا تكاد الحروف تصرخ : لماذا تهمشني :

أجدك مشغولا ً

وتتركني حقيبة رجاءْ.

وأنا التي :

بيني؛ وبينك أقسّم الأسماء

فأكتفي بك بحرا ً..

وإن كان ثمة قضايا كبري :

أولست أنا قضية كبري ؟!! ............... (نسيت حبة الأسبرين(

الإصرار علي البوح النازف؛ ورفض سلطة الأب في تهميش الكينونة؛ وشرنقتها؛ مع الشعور المسكوت عنه دائما ً بالانتصار الذي يتباهي في مثل قولها :

نساءُ قريتي

ربات بيوت الهواجس

يتحكمن بأنفاس الشمس علي أجسادهن

فتزداد ساعات البرودة ................ ( تحكم(

كل ذلك نلمحه بين السطور وفي حنايا المسكوت عنه بخطاب الشاعرة / ليلي السيد الإبداعي.. هذا الخطاب الذي يتسم بخصوصية نسوية هي الأكثر جراءة ببساطة وفن علي تعرية النظرة المتدنية للمجتمع العربي إلي كينونة المرأة؛ وفضحها؛ وألكثر تفهما ً وإقناعا بدور المرأة؛ واكتمال الآخر/ الرجل بها منذ وجد الإنسان علي البسيطة :

يا ظل آدم؛ وتفاحته

اسقيتني رفات أجدادك

ورميتني ببياض ِ ضفتيك

أسميتني وردة الله

وكان خياري ألاّ أتكرر

تريدني وعدا ً

وأريدك شيئا ً لا يستعاد ..

أنت أمي

وسأحلف لو كنت أمك

لاكتفيت برحمي مدادا ً لأرضك؛ وشعرك

تحتمي به رأسك الضاحكة ......................... ( لو كنت أمك(

وإذا كانت تلك النظرة العربية للحب لم تبرأ بعد بما علق بها من مفهوم قبلي عن الحب؛ فالحب كما عرفه العرب قديما ميدان للخرق والإنتهاك؛ أو خروج من عالم المدجن إلي عالم المتوحش؛ فإن مذاق الحب كان ومازال وسيظل طفوليا ً بريئا ً :

أيها الحب

أمنيتي؛ أن أراكَ طفلا ً

يبيع الوردَ علي رصيف مدرسة الطالبات ............... ( مذاق الحب)

ولقد كان ومازال وسيظل هو الإنطلاق إلي واقعية ٍ بلا ضفاف؛ هو الإنفساح بلا حدود ولا تخوم؛ لقد فسّر ابن عربي لفظة (الجوي) علي أنها الإنفساح في العشق؛ حيث أرجع أصلها إلي الجو.. تقول ليلي السيد :

تعال؛ نصنع لتلك الطيور سماء ً مفتوحة ً

أروع الأحضان هي المفتوحة ........... ( هجرة الأكسجين(

هذا الإنفتاح الذي من شأنه احتواء الإختلاف؛ وليس محبة دون اختلاف؛ ولا يفسد الإختلاف للحب قضية :

تعال نختلف مثل المحبين فسير المحبة أن نختلف ............. (هجرة الأكسجين(

والثابت عندنا أن الحب يترجم رغبة الإنسان في الاستمرار والبقاء؛ لأنه عناد الحياة ضد الموت؛ والشعر يصدر عن الرغبة ذاتها؛ رغبة الشاعر في البقاء والاستمرار محتميا ً بالكلمات؛ لأنه لا وجود للإنسان خارج ما تسمح به الكلمات؛ فالكتابة والعدم ندان مرعبان يقفان وجها ً لوجه؛ ويحتدمان في صراع ٍ لا ينتهي ..

وتتجلي قناعة الأنثى الراسخة عن الوجود؛ وطبيعة الكائنات؛ وصراعها من أجل الحياة والبقاء؛ لتقف موقف الدفاع الذي يشير أيضا ً وبخفاء بإصبع الاتهام:

أرق.. لا تنم

أمامك البحر

تخرج باحثا ً عن أنثي

أكثر معرفة ً بكَ مني

تدلك بزهرة نعاس ٍ

تبدل لونَ عينيكَ ساعة تبوسهما

تصنع لك دمعا ً

لا تشبه بحري

لم تعد حزينا ً

فأمامك يرقص أوّلُ أحلمك

لأول ساقين تبوح لهما

عن سمكتين؛ وقارب شمس ٍ

تتدحرج علي البيوت التي سرقت

شواطئ بحري ......................... (زهرة نعاس(

وثمة قناعة عاطفية صوفية بالدرجة الأولي طي هذا الخطاب الشاعري لمبعتنا/ ليلي السيد :

يزداد ثقل الأرض ِ

أرغب بسؤال الواجدين لخفتهم

كيف استطاعواترك أبوابهم مفتوحة ً ؟!!

الثلج ُ لم يطأ قدمي

واستطعم نكهته

أجس ضوءه في غرفة ِ القلب ِ فقط .

مصانعة

تذكرتنا المعابرُ الصامتة

وهي تخون الحكاية .

لي عذرٌ واحدٌ في البقاء

أني أكتب إليكَ .

تلك القناعة العاطفية الصوفية هي التي فتقت الصراع بين ما هو مادي جسدي؛ وما هو معنوي روحي؛ وهي نفسها التي فتقت روح التحدي؛ أو لنقل: السموعلي سطحية المعني؛ أو الغوص تحت قشرة المعني الخارجية في قولها ك

أيها الليل

احفر من أرواح نجومك قبورا ً

أردم فيها فكرة (النهار مبصر) ................ (نهار مبصر(

إن هذا المناخ الشعري الذي تطرحه الشاعرة لهو مناخ صوفي النكهة بامتياز فيما أري بما تمده من مفهوم البحث والكشف لينجلي السر , وبما يشيع فيه من قاموس يؤسس لمناخ متصوف حيث يطفو الباطني والجواني إلي السطح في مكاشفات حوارية؛ هي أقرب إلي الاعترافات الإبداعية المبررة علي كرسي الاعتراف الشفيف؛ مثال قولها :

من بيضة البنفسج

يخرج طائرا ً محترقا ً

حزنه مراكب للرحيل

تلون الشمس بنفسجا ً

يطويها شراعا ً لفراشات الضوء

ألم تك للبنفسج من متعة ٍ في بدء خلقي؟

يلتف حولي

ويرمي شعري وشاحا ً لمعبد

يحاصر شاعرا ً؛ وآلهة ً .

أشتقت لطائر البنفسج

لشم رائحته في كل واد ِ

فأراني أجول؛ تتبعني الغواية

وأرتجل لونا ً من عرف قمري

ما زلت أحيا

لأن البنفسج يمتدح جثتي .................... (دم البنفسج(

"ربما يكون هذا التعقيب للكشوف والرؤي لحن غائب عن السمفونيا النقدية في هذه الأيام المضطربة حيث عصرنا الراهن متطرف في نزوعه المادي؛ وجشعه إلي الاستهلاك

.. ولهذا فقلما يأبه بالداخلي للروح البشرية؛ ذلك الروح الذي هو المحتوي الحقيقي للأدب والشعر خاصة في كل زمان ومكان

أقول؛ وكم يبدو قولي هذا صادقا ً إني قد تفاعلت؛ وانفعلت بقصيدة ٍ مثل (معرفة بطعم الشيكولاته) تفاعلا ً وانفعالا ً صوفيا ً

بامتياز؛ رغم ما يتبدي من سطح عنوانها علي عكس ذلك..

حيث بلورة مبدأ المسافة الذي يؤمن به الصوفيون؛ إذ تؤمن الصوفية بأن الأشياء لا تكابد رهقا ً مثلما تكابد الفراق؛ والفصال؛ وجعلت الرغبة الرغبة الحارة في اللقاء والإندماج في مرتبة الطقوس المقدسة؛ وهو ما يحيل إلي درجة عالية من الوعي بقيمة الرغبة والجسد كوسيلة للتطهر :

حين لا تراني

أجد السير إلي معبدك

تغشاني محبتك

وسكرة خفيفة بضوئك

حين لا تراني

أري شفاها ً طرية ً

ابتاعت كرزا ً؛ وأهدته لنقاط بدايتي؛ ومنتهاي .

حين لا تراني

سأحاكي الأشجارَ

صمتي في الحديقة

وأزهار المسرات .

حين لا تراني

أري الفضاء تماثيل

لحلم ِ قلب ٍ صغير ٍ .

حين لا تراني

أفتح أقفاص نفسي كي تغادر

كل الحشود الضاربة

فيرعشني التخلي .

حين لا تراني

ستظل اقدام من عبروا

تائهة ً في أنايَ .

حين لا تراني

سأعتصم بحبل أمومتي

فأري العالم َ قبائل في بهوها .

حين لا تراني

سأرتمي بين أشيائي

بين رذاذ التقاويم

اضم ذاكرتي؛ وأقولُ :شمس .

حين لا تراني

سأفتش بلذعة دمع

بغبطة طائر ٍ يفزعه اليقين .

حين لا تراني

سأنتظرك أمام مرآتي

أهيئ النفسَ لضوئك ................ (معرفة بطعم الشيكولاته(

الممكنات لا تتناهي.. وكل جهد معرفي هو فتوحات مكية لا تتوقف عند حد ..

اليس ذلك هو المبدأ الشامل لمذهب الصوفي ابن عربي؟

الق أقول: إنه مبدأ معطاء؛ ورحب؛ وهو يفضي إلي حرية الإبداع ما دام ليس ثمة ما يرتطم به العقل فيتعطل عنده؛ كما وأنه يفيد بأن النص يقبل شتي التفسيرات دون أن يحتكر ايها المصداقية لنفسه؛ وبذلك تنفتح آفاق بلا حدود أمام المبدع والناقد معا ً؛ مما يعني أن كل انحباس داخل أي منظومة هو ضرب من التحجر والجمود؛ ومن طبيعة النفس الشاعرة أنها خيالية تتبرم بالحدود وتبغضها؛ وهذا التبرم هو ما يدفعها إلي إفراز الرؤى والأحلام؛ وشتي أصناف الأخيلة التي تمكنها من الفرار إلي الرحاب الشاسعة المنداحة بكل اتجاه ........... وبعد ...........................................

لعلي أكون قد وفقت إلي إضاءة ٍ ما خلال إطلالتي هذه المتواضعة؛ فيقيني أن الشاعر الواحد إنما يحتاج لعشرات الإضاءات علي مشروعه الشعري بحسب تنوع التلقي الإبداعي له؛ فالشاعر المعاصر إنما يجعل من قارئه منتجا ً جديدا لنصه؛ وهو يرفض التلقي السلبي لمشروعه.. مع تمنياتي للمبدعة/ ليلي للسيد بمزيد التوفيق؛ والنجاح .

محمود عبد الصمد زكريا

عضو اتحاد كتاب مصر

 

مراجع :

( 1 )

د / عبد الله الغذامي - تأنيث القصيدة - ص 68 - العدد 1 من مجلة فصول .

( 2 )

مي زيادة - الأعمال الكاملة - ص 155 - مؤسسة نوفل - بيروت 1982 م

( 3 )

د / أحمد أبو زيد - مجلة العربي الكويتية -

مقال بعنوان ( تراجع الحركة النسوية - العدد 552 - مارس 2005 م - ص 30 / 36

 

محمود عبد الصمد زكريا في 25 يونيو 2007

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الراوية
  (2004 - 2014)

أعلى